« إعلانات المنتدى »

        

        




النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: بحث عن الهجرة (تم)

  1. #1
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المشاركات
    22

    Talab2 بحث عن الهجرة (تم)

    السلام عليكم لو سمحتو ممكن بحث عن الهجرة في الوطن العربي ضروررررررري


    مشاركتك تسعدنا ورأيك يهمنا


  2. #2

  3. #3
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المشاركات
    22

    افتراضي

    جزاك الله خير الجزاء بارك الله فيك

  4. #4
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    8

    افتراضي

    السلام عليكم اختي ميامي

    ماطلبتي فديتج

    انشاء الله احطلج معلومات

    تقبلي مروري

  5. #5
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    8

    افتراضي

    يبتلج انشاء الله يعجبج

    بس انتي عليج اترتبينة

    هجرة الكفاءات من الوطن العربى فى منظور استراتيجية لتطوير التعليم العالى
    د. نادر فرجانى
    يوليو 2000

    المحتويات

    تمهيد
    أولاً: أثر هجرة الكفاءات على بلدان الأصل
    ثانياً: أسباب هجرة الكفاءات
    ثالثاً: مواجهة هجرة الكفاءات
    مراجع

    MS Word XXXXXXXX (zipped) يوصى بهذه الصفحة


    تمهيد
    تعنى "هجرة الكفاءات" انتقال الأفراد عاليّ التأهيل (عادة خريجى التعليم العالى وما فوقه) من بلد ما لبلد آخر بغرض العمل والإقامة الدائمة. وقد عانت بلدان العالم الثالث من هذا النوع من الهجرة خلال القرن العشرين وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن "نزيف العقول" brain drain لم يلق اهتماماً دولياً كبيراً إلا فى نهاية الستينيات والسبعينيات الأولى بعد أن بدأت بلدان غربية مصنّعة، كإنجلترا، تفقد بعض كفاءاتها لدول غربية أخرى فى حال اقتصادى أفضل (باجواتى و بارنجتون، بالإنجليزية، 1976، 3).

    وسنعرض فى هذه الدراسة لموضوع هجرة الكفاءات إلى خارج الوطن العربى، مع الاهتمام بعلاقته بمنظومة التعليم العالى والبحث والتطوير فى البلدان العربية[1]، من منظور التنمية العربية. ويعنى هذا، على وجه الخصوص، أننا لن نتطرق، تفصيلاً، إلى كثير من الجوانب المهمة ذات الصبغة الدولية فى الجدل العالمى حول هجرة الكفاءات، مثل الاقتراحات الخاصة بفرض ضرائب على الكفاءات المهاجرة فى بلدان الإقامة تخصص لتمويل الإنماء فى بلدانهم الأصلية، إما مباشرة، أو عن طريق مؤسسات دولية تدعم جهود الإنماء فى بلدان الأصل، أو تعويض البلدان المستقدمة للكفاءات لبلدان الأصل عن كفاءاتها المفقودة (انظر مثلاً: المرجع السابق، 22-30). كذلك لن نعرض لحلول الحد من هجرة الكفاءات التى تقتضى تعاوناً وثيقاً من الدول الغربية المصنعة. إذ تدل الخبرة التاريخية، من جانب، والظروف الخاصة بهجرة الكفاءات، من جانب آخر، أن هذه الدول لا تقبل، مختارة، التنازل عن موقعها الاستغلالى المهيمن فى النظام الاقتصادى العالمى.

    ولم نحاول الإحاطة بتقديرات كمية لمدى تعرض أقطار الوطن العربى لهجرة الكفاءات. فمن ناحية- البيانات غير متوافرة. ومن ناحية أخرى، نعتقد أن مناقشة القضايا الأساسية فى هجرة الكفاءات، وعلاقتها بتطوير التعليم العالى والبحث والتطوير فى البلدان العربية، هى أجدى، فى مجال بحثنا الحالى، من الاستغراق فى تقديرات كمية غير موثوق بها كثيراً.

    ويكفينا فى هذا الصدد الإشارة إلى تقديرات أنطوان زحلان (1981، 23) من أن هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء العرب إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة وصلت حتى 1976 إلى حوالى 24.000 طبيب، 17.000 مهندس، و75.000 مشتغل بالعلوم الطبيعية يمثلون 50، و 23 ، و 15 بالمائة، على الترتيب، من جملة هذه الفئات المهنية فى الوطن العربى.

    وعند نهاية القرن العشرين، يقدِّر أنطوان زحلان أيضاً أن "حوالى مليون مهنى عربى أو أكثر" يعملون فى بلدان منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (1999، 184)، وهو تقدير يومئ إلى تصاعد هجرة الكفاءات فى الربع الأخير من القرن العشرين.

    والأهم أن هجرة الكفاءات ينتظر أن تتصاعد أكثر باشتداد العولمة، فعلى الرغم من أن أحد التناقضات الرئيسية للنظام العالمى الجديد، النابعة من فرض البلدان المصنعة لمصالحها على البلدان المتخلفة، هى الإصرار على حرية التجارة فى السلع والخدمات على حين تستمر حدود البلدان المصنعة مغلقة أمام انتقال البشر إليها. ولكن، أيضاً انطلاقاً من مصالح البلدان المصنعة المهيمنة على ذلك النظام العالمى الجديد ومن الدور بالغ الأهمية للمعرفة والتقانة فى تحديد التقدم فى عالم كثافة المعرفة، يقوم سوق عمل عالمى واحد يختص بالكفاءات العالية التى ترى البلدان المصنعة فائدة فى اقتناصهم من البلدان المتخلفة، مع استمرار إغلاق الحدود فى وجه غيرهم من مواطنيهم.

    والأخطر أن الهجرة ينتظر أن تصيب العناصر الأكثر استعداداً من الأجيال الأصغر من كفاءات البلدان المتخلفة، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الأقدر بما يتيح لهم قرباً اجتماعياً وثقافياً من بلدان الهجرة المرتقبة من خلال وسائل الاتصال الحديثة، ويمكن لهم أن ينتظموا فى مساقات تعليمية تقربهم مهنياً وثقافياً من البلدان الغربية المصنعة. ويعنى ذلك التطور المرتقب سلب مجتمع الكفاءات فى البلدان المتخلفة أكثر شرائحه حيوية، مما يترتب عليه تفاقم قصور إنتاج المعرفة واكتسابها، على وتيرة متصاعدة، فى المستقبل.

    وبهذا الشكل فإن هجرة الكفاءات ينتظر أن تساهم فى زيادة الاستقطاب الاجتماعى فى البلدان المتخلفة من ناحية، وفى توثيق الصلة، عضوية، بين الفئات الاجتماعية المتنفذة فـى هذه البلدان وبين الغرب المصنع، من ناحية أخرى، بما يفت فى عضد الهوية والانتماء لبلدان تحتاج، ماساً، لتعظيم معين الهوية والانتماء بين أهليها، إن كان لها أن تتقدم.

    ومعروف أن بلدان الوطن العربى تتفاوت كثيراً فى مدى مساهمتها فـى تيار الهجرة هذا. فعلى سبيل المثال، من المهاجرين العرب من العلماء والمهندسين إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من 1966-1977 قدمت مصر قرابة 60 بالمائة، وزادت مساهمة كل من العراق ولبنان عن عشرة بالمائة بينما كان نصيب كل من سوريا والأردن وفلسطين حوالى خمسة بالمائة من المجموع.

    ويورد محسن خضر (2000، 152-155) بيانات تدلل على أن مصر هى، بين الدول العربية، الخاسر الأكبر من هجرة الكفاءات، فى الكم المطلق، وهذا أمر متوقع فى ضوء تقدم مصر على البلدان العربية فى عدد الكفاءات من ناحية، وقِدم إيفاد أبنائها للبلدان المصنّعة طلباً للعلم، وهو من أحد أسباب هجرة الكفاءات، من ناحية أخرى.

    أما إذا أخذنا فى الاعتبار حجم القاعدة السكانية لبلد الأصل، فإن الوقع الكمى النسبى لهجرة الكفاءات يتباين بين هذه البلدان، على الترتيب من الأعلى للأدنى، على الوجه التالى: لبنان، فلسطين، الأردن، مصر، العراق، سوريا (ألان فيشر، 1981، 221-223). وإذا لاحظنا صعوبة الفصل بين الفلسطينيين والأردنيين فى مثل هذه الإحصاءات، وأن جزءاً ممن يصنفون كأردنيين هم أصلاً فلسطينيون، لاحتلت فلسطين رأس القائمة يليها لبنان ثم مصر.

    ونقدم فى بقية الدراسة عرضاً نظرياً مختصراً لأثر هجرة الكفاءات على بلدان الأصل ثم نتطرق لتحليل أسبابها كمقدمة لتناول مواجهة هجرة الكفاءات. والموضوعان الأول والثانى لا يطرحان خصوصية عربية واضحة ولذلك نعالجهما بعمومية.

    أولاً: أثر هجرة الكفاءات على بلدان الأصل
    ثار، بين الاقتصاديين، جدل كبير حول ما إذا كان يترتب على هجرة الكفاءات فقد أو خسارة لبلد الأصل، خاصة إذا كان بلداً نامياً (متخلفاً). أو بمعنى آخر، حول ما إذا كانت هجرة الكفاءات هى فى حقيقة الأمر "نزيف" لمورد حيوى يضعف من فرص التنمية أو مجرد "صمام أمان" مطلوب لتدفق الكفاءات الزائدة عن حاجة مجتمع متخلف، لا يستفيد منها على أية حال، إلى خارجه، بما يحقق مصلحة هذه الكفاءات، بل ومصلحة البشرية جمعاء.

    بل لقد ذهب البعض إلى أن بلد الأصل يجنى فى الواقع مكاسب من هذه الهجرة. وقُدِّمت لذلك مبررات عدة أهمها أن الكفاءات المهاجرة تنتقل إلى مجتمع أكثر "تقدماً" يوفر لهـا ظروف عمل ومعيشة أفضل مما يؤدى إلى أن ترتفع إنتاجيتها وأن تساهم بدرجة أكبر، عما إذا بقيت فى مواطنها، فى صنع المعرفة والتقدم الإنسانى، وهذا معين عام تشترك فيه كـل البشرية بما فى ذلك بلد الأصل.

    وفساد هذه الحجة واضح. إذ حتى لو استبعدنا التناقض الظاهر بين مصالح بلدان المهجر المتقدمة مع مصالح بلدان الأصل المتخلفة، فى سياق النظام العالمى الجديد، فكثيراً ما تكون مساهمة الكفاءات المهاجرة فى إنتاج المعرفة خاضعة لبراءات اختراع وعلامات تجارية لا تتيح لبلد الأصل الاستفادة الحرة منها. وفى أحيان أخرى يُمنع بلد الأصل من ذلك، لدواعى سرية خاصة بأمن بلد المهجر. وفى الحالات التى لا تقوم عوائق دون التوصل للمعرفة أو الفن الإنتاجى تواجه بلد الأصل عقبة أنها غالباً ما تكون مصممة لخدمة أغراض ونمط احتياجات بلدان المهجر المتقدمة، بمـا لا يتواءم واحتياجات بلدان الأصل المتخلفة (باجواتى، بالإنجليزية، 1976أ).

    ولسنا هنا بصدد إعادة ذلك الجدل الكبير، خاصة وأنه يبدو قد حسم باتجاه قبول أن هجرة الكفاءات تؤدى إلى خسارة ومشكلات اقتصادية فى بلدان الأصل (باجواتى، بالإنجليزية، 1979). ولكن ما يعنينا هو تلخيص بعض النقاط الجوهرية فى ذلك الجدل، والتى نعتقد أنها ذات علاقة بموضوعنا، وتقديم بعض الإضافات عليها.

    ينجم عن هجرة فرد ما خسارة أولية لبلد الأصل تتمثل فى التكلفة التاريخية التى تكبدها المجتمع فى تكوين وتعليم المهاجر، مباشرة أو بطريق غير مباشر، حتى وقت الهجرة. وبالطبع يقابل التكلفة التاريخية لبلد الأصل، حصول بلد المهجر على مكسب أولى يعادل التكلفة التى كان سيتكبدها لو كان المهاجر إليه قد تكون أساساً داخل حدوده. ولا يتساوى هذا المكسب بالضرورة مع التكلفة التاريخية للمهاجر فى بلد الأصل. وقد قدر بعض الباحثين أن ألمانيا الغربية مثلاً قد وفرت فى نفقات تربية الأطفال والتعليم التى كان يمكن أن تتحملها للحصول على عدد العمال المهاجرين نفسه، الذى حصلت عليه فى الفترة 1957-1973، مبلغاً يكفى لأن يتحول فى 1973 إلى ما يزيد عن 27 مليار مارك، أو أكثر من واحد بالمائة من جملة رأس المال القومى حينئذٍ (ستال، بالإنجليزية، 1982). وواضح أن التكلفة التاريخية ترتفع كلما زادت درجة تأهيل المهاجر. ومن وجهة النظر هذه تنطوى هجرة الكفاءات على أكبر تكلفة تاريخية بين المهاجرين إطلاقاً.

    وعلى الرغم من أن التكلفة التاريخية للمهاجر تعد من أبسط عناصر الخسارة التى يتحملها بلد الأصل فى هجرة الكفاءات إلا أن لها بُعداً اجتماعياً، أو بلغة الاقتصاد- توزيعياً، مهماً يزيد من عبئها ويحسن الإشارة إليه. فلما كانت بلدان الأصل فى العالم الثالث فقيرة، والتعليم العالى بها ميزة لا يحصل عليها إلا نخبة، ولما كانت هذه النخبة، وهى عادة الأقدر مالياً، لا تتحمل إلا نسبة ضئيلة من تكلفة التعليم العالى، فإن التكلفة المجتمعية لتعليم الكفاءات المهاجرة تقع فى الحقيقة على كاهل الغالبية الفقيرة التى لم تنل حظ هذه الكفاءات نفسه من التعليم العالى.

    ولكن، هل هناك عناصر خسارة لبلد الأصل غير التكلفة التاريخية؟ هنا ننتقل إلى أفق زمنى مستقبلى ويتوقف الأمر، فى نظر الاقتصاديين، على إنتاجية المهاجر. وفى هذا الصدد يعرِّف الاقتصاديون قيماً تعبر عن القيمة الحالية وقت الهجرة، فى بلد الأصل، لأجر المهاجر أو دخله، أو مقياس آخر لإنتاجيته الحدية الخاصة (أى إنتاجيته كفرد)، طوال عمره الإنتاجى المتوقع منذ وقت الهجرة، وطبقاً لمعدل خصم يتفق عليه. وبالطبع، يمكن تعريف قيم مقابلة تعبر عن المكسب المناظر الذى يجنيه بلد المهجر. وفى النهاية، يمكن تحويل مقاييس الكسب إما إلى خسارة صافية، أو مكسب صاف، بطرح التكلفة الاجتماعية التى تحملها بلد الأصل- شاملة التكلفة الفردية التى تحملها المهاجر وأسرته، أو تلك التى كان سيتحملها بلد المهجر، من الكسب، الفردى أو المجتمعى، الذى يقدر أن يحققه للمهاجر (باجواتى، بالإنجليزية، 1976ب).

    وأحياناً يُدَّعى أن الإنتاجية الحدية الخاصة للكفاءات المهاجرة فى بلدان العالم الثالث هى ضعيفة جداً، تكاد تقترب من الصفر، بل وأحياناً تكون سالبة. وأنه فى هذه الحالة لا يترتب على ترك هذه الكفاءات لبلد الأصل خسارة اقتصادية، بل يمكن أن يكون فى ذلك كسب، مثلاً إذا كان الأجر الذى يحصل عليه المهاجر أعلى من إنتاجيته الحدية الخاصة، كما يحدث أحياناً فى القطاع الحكومى. ويعانى هذا المنطق من عيب جوهرى فى اقتصاره على التحليل الفردى الذى يهمل الدور المجتمعى، بالغ الأهمية، للمعرفة المتجسدة فى الكفاءات عالية التأهيل.

    وإن انطبق هذا التحليل على بعض عناصر الكفاءات، فإنه بالقطع لا يشملها كلها. وهنا علينا أن نتذكر أن البلدان المتخلفة تعانى بوجه عام من نقص الكفاءات المطلوبة لدفع عجلة التقدم. وتزداد مغبة عجز الكفاءات فى البلدان المتخلفة هذا فى عصر "الاقتصاد الجديد" الذى تعتمد الأنشطة عالية القيمة المضافة فيه بشكل حرج على كثافة المعرفة، هذا من ناحية.

    ومن ناحية أخرى، فإن الهجرة، خاصة بالنسبة للكفاءات، ظاهرة انتقائية، بمعنى أن العناصر الأنشط والأكثر تأهيلاً هى عادة تلك التى تزيد فرصة هجرتها.

    ومؤدى هذه الاعتبارات أن هجرة الكفاءات تزيد فى النهاية مـن عجز الكفاءات فى بلدان العالم الثالث عموماً ومن تدنى إنتاجية عناصر الكفاءات الباقية فى مجتمع الأصل.

    ومحصلة هذا الوضع أن تؤدى هجرة الكفاءات، فى الأجل الطويل، إلى تخفيض الرصيد المعرفى، ومن ثم الناتج الإجمالى، فى بلدان الأصل نتيجة لفقد الناتج المترتب على وجود الكفاءات التى هاجرت، من جانب، ولفقد وفورات الحجم الكبير فى المعرفة التى تنجم عن اضمحلال مجتمع كفاءات بلد الأصل، من جانب آخر.

    وحتى إذا قبلنا أن بعض عناصر الكفاءات فى بلدان العالم الثالث تعانى من إنتاجية خاصة منخفضة، وخاصة بالنسبة للإنتاجية المتوقعة من درجة التأهيل العالية (المثال التقليدى على هذا الحال فى الجدل الاقتصادى الدولى هو الطبيب البشرى الذى يعمل سائقاً لسيارة تاكسى لأنه
    لا يجد عملاً كطبيب فى العاصمة) فإن ذلك يجب ألا يدفعنا لاعتبار أن هجرته إلى أحد بلدان الغرب المصنعة لا تشكل خسارة لبلد الأصل، حتى وإن مارس المهاجر عمله المؤهل له فى بلد المهجر. فالإطار المنطقى لمناقشة هذا الأمر يجب أن يـأخذ إمكانية الهجرة للخارج كعنصر أصيل فى اتخاذ الأفراد للقرارات المتعلقة بمساهمتهم فى النشاط الاقتصادى فى بلد الأصل[2].

    ويمكن أن نضيف إلى الآثار السالبة لهجرة الكفاءات، صعوبة التحكم فى نسق الأجور فى سوق العمل المحلى، وضعف السياسات الاجتماعية التى قد ترغب سلطات بلد الأصل فى تحقيقها عن طريق نظام الأجور- مثل تقليل التفاوت فـى الدخول، نظراً لضرورة إدخال الدخل المرتفع المتوقع عن طريق الهجرة فى الحسبان. كما أن نقص الكفاءات، الذى تزيد من حدته الهجرة، يؤدى ببلدان العالم الثالث إلى استقدام كفاءات أجنبية لدعم النشاط الاقتصادى بها مما يترتب عليه تكلفة مادية واجتماعية كبيرة. ويحدث أحياناً أن تعود الكفاءات المهاجرة لبلادها كخبرات أجنبية تحت علم بلد آخر ولخدمة مصالح ليست بالضرورة متوحدة مع مصلحة أوطانها الأصلية، وفى هذا الخسارة الأعظم.

    ونود أن ننهى هذا القسم بالإشارة إلى أن الإنتاجية المجتمعية لفئة الكفاءات فى بلد نام، هى أكبر من مجمل الإنتاجية الخاصة لعناصرها. ويعود هذا إلـى الدور الخاص الذى يمكن أن تلعبه فئة الكفاءات، أو على الأدق شريحة الطليعة منها، فى إطار تصور حركى للتغير الاجتماعى-السياسى الذى هو صلب عملية التنمية. وإذا أردنا الدقة، فإن فئة الكفاءات فى مجتمعات نامية يمكن، تحت ظروف موضوعية مناسبة، أن تفرز شريحة فرعية قوية تتبنى عن اقتناع مبدأ العمل لتطوير مجتمعها، وتقوم بهذه المهمة التاريخية بتضحية وإنكار ذات يفصلانها عن مصالحها الذاتية وإن كان يتحقق لأعضائها، خلال ذلك، إشباع معنوى لا تعدله مصلحة مادية. ويكون لنشوء هذه الطليعة المثقفة الملتزمة معول كبير فى دفع عجلة التقدم.

    وبالطبع لا ينتمى إلى هذه الطليعة كل الكفاءات، ولكنها تكون نواة تحيط بها عناصر فئة الكفاءات كلها، وتتفاعل الطليعة مع محيط الكفاءات جدلياً. ومن منظور هذا الدور التاريخى، قد تلعب كفاءات محبطة، لا تزيد إنتاجيتها الحدية الخاصة عن الصفر كثيراً، دوراً مهماً فى نشوء وتدعيم طليعة المثقفين. وبهذا قد يكون لهجرة الكفاءات مساهمة مدمرة فى إجهاض احتمالات تبلور الطليعة المثقفة من رحم فئة الكفاءات. وقد يكون فى هذا الغرم الأكبر لهجرة الكفاءات. إذ فيه جناية على إمكانية التنمية ببلدان الأصل.

    ولعل أحد أهم قنوات الحد من إمكان التقدم فى بلدان الأصل نتيجة لهجرة الكفاءات هو إضعاف منظومة إنتاج المعرفة واكتسابها، ودورها فى إحراز التقدم فى العصر الحالى ليس بحاجة لتأكيد. فالمعروف أن هجرة الكفاءات تصيب أشد ما تصيب مؤسسات التعليم العالى والبحث والتطوير حيث تكون العناصر الفاعلة فى هذه المؤسسات مـن أكثر عناصر الكفاءات رغبة فى الهجرة، ومن أعظمها فرصة فى تحقيقها.

    ثانياً: أسباب هجرة الكفاءات
    إن دراسة أسباب هجرة الكفاءات هـى الأساس المنطقى لاقتراح المبادئ والسياسات التى يمكن أن تتخذ للحد منها أو لمواجهة الآثار السالبة المترتبة عليها. وتتراوح تفسيرات ظاهرة هجرة الكفاءات بين مدرستين:

    الأولى: تعالج الظاهرة من منظور فردى بالأساس، مؤداه أن الكفاءات أفراد متميزون يسعون لتحقيق ذاتهم فكرياً ومهنياً، ولضمان ظروف عمل ومعيشة مريحة تكفل لهم حرية التفكير وإمكانية الإبداع. ولما كان هذا السعى يحبط فى أغلب الأحيان فى البلدان المتخلفة، فإن هذه الكفاءات تجد لها مكاناً، إن استطاعت، فى بلدان الغرب المصنعة. وتستمد هذه الدراسة أصولها الفكرية من التحليل الاقتصادى النيوكلاسيكى وبعض المعالجات النفسية والاجتماعية. وتكاد غالبية التفسيرات الواقعة فى نطاق هذه المدرسة أن تسقط أى دور مجتمعى للكفاءات فى العالم الثالث سواء كان الدافع لهذا الدور خلقياً، راجع للاعتراف بالجميل لبلد الأصل، أو طموحاً تقدمياً كما هو فى حالة طليعة المثقفين.

    أما المدرسة الثانية فتتناول هجرة الكفاءات من حيث أنها ظاهرة دولية تمتد جذورها عميقة فـى نظام الاقتصاد-السياسى الذى يسيطر على العالم. وعليه، فإن تفسير الظاهرة يكمن فى الخصائص الجوهرية للنظام الاقتصادى العالمى خاصة تلك المتعلقة بقيام سوق دولية للكفاءات.

    ولنحاول التعرف على بعض التفاصيل فى تفسير هاتين المدرستين لهجرة الكفاءات.

    تحدد المدرسة الأولى عوامل مهمة تدعو الكفاءات للهجرة من البلدان المتخلفة، هى:

    · انخفاض مستوى الدخل وتدنى مستوى المعيشة.

    · الإحباط العلمى والمهنى العائدان لعدم توافر إمكانات البحث (الكتب والمجلات العلمية، والمعدات والأجهزة، والوقت اللازم للبحث، والبنيان المؤسسى للبحث العلمى، والاتصال العلمى الدولى).

    · قرب غياب حرية الفكر والرأى والأسلوب العلمى لإدارة المجتمع.

    إلا أن بعض نتائج الدراسات التى تنضوى تحت المدرسة الفردية تشكك فى أهمية بعض المسببات الأساسية التى تقدم لهجرة الكفاءات. فعلى سبيل المثال، تظهر الدراسة الميدانية الكبيرة التى تمت بإشراف معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب، فى عدد من الدول المرسلة والمستقبلة للكفاءات المهاجرة، أن متغير الدخل ليس على الأهمية التى أعطيت له قبلاً (راجع ملخص النتائج فى: جلاسر وهابرس، بالإنجليزية، 1978)، فلا الدخل الفردى أهم محددات قرار الهجرة، ولا ينتج عن معدل مرتفع لنمو الدخل القومى إنقاص هجرة الكفاءات، بل إن عدداً ليس قليلاً من الكفاءات يتمكن أحياناً من الحصول على دخل حقيقى أعلى فى بلد
    الأصل عن بلد الهجرة فى الغرب المصنع، مما يدعو إلى البحث عن الأسباب الحقيقية فى مجال خلاف انخفاض الدخل.

    وفى أحيان قليلة يصل أنصار هذه المدرسة (الفردية) إلى أن هناك عوامل تساعد على زيادة هجرة الكفاءات من بلدان العالم الثالث مثل:

    · ضعف انتماء الكفاءات المهاجرة لحضارة بلد الأصل فى مواجهة تأثير الحضارة الغربية السائدة، أو قرب حضارة بلد الأصل للحضارة الغربية.

    · ضعف علاقات الانتماء إلى بلد الأصل سواء على المستوى المجتمعى، كما يظهر فـى حالـة الكفاءات التى تنتمى إلى أقليات مضطهدة مثلاً، أو على المستوى العائلى والشخصى، مما يتعلق بمدى تماسك العلاقات الاجتماعية.

    ونحن نرى فى هذه المقولات بذور شك فى التفسيرات الأساسية لهذه المدرسة، مما ينقلنا، بصورة طبيعية إلى المدرسة الثانية.

    تقدم مدرسة الاقتصاد-السياسى أن السبب الجوهرى لهجرة الكفاءات هو الارتباط العضوى لبلدان العالم الثالث بمركز النظام الرأسمالى العالمى فى دول الغرب المصنعة فى علاقة تخلف وتبعية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية. ويقوم هذا الارتباط العضوى، فيما يتعلق بهجرة الكفاءات، على ثلاث دعائم أساسية:

    · سوق دولية للكفاءات هى امتداد طبيعى، يحمل معه مزايا فردية ضخمة، لسوق العمل ببلدان الأصل.

    · خلقية المنافسة الفردية فى الإطار الرأسمالى المشوه السائد ببلدان العالم الثالث، والتى تدفع الفرد للسعى لتحقيق أعلى مستوى مـن الرفاه الخاص، مقاساً مادياً بصرف النظر عن الرفاه الجمعى.

    · نسق تعليم وتأهيل فى بلدان العالم الثالث، يمتد أيضاً إلى خارجها من خلال تقليد أنساق التعليم العالى لنظائرها فى البلدان الغربية المصنعة وعبر الابتعاث للدراسة فى الخارج، وينتج كفاءات من النوعية المطلوبة للسوق الدولى بدلاً من تلك التى تتواءم مع الاحتياجات الأساسية لبلدان الأصل.

    حيث تعنى تبعية البنية الاقتصادية-السياسية الحاكمة فى بلدان العالم الثالث لمركز النظام الرأسمالى فى الغرب، ألا تقوم عوائق مهمة فى سبيل انتقال الكفاءات من إحدى بلدان الأصل إلى بلدان الغرب المصنعة. ويؤدى هذا فى الواقع إلى إضافة شريحة خارجية لسوق العمل المحلى، تحمل معها مزايا معيشية ومهنية لا تتوافر فى بلدان الأصل. وتتكون السوق الدولية للكفاءات من مجمل هذه التقاطعات بين أسواق العمل فى بلدان الأصل والدول الغربية المصنعة.

    ومؤدى قيام السوق الدولية للكفاءات، وسيادة خلقية المنافسة الفردية لتحقيق أعلـى رفاه خاص، أن تصبح فرصة العمل فى أحد بلدان الغرب المصنعة، هى أكثر بدائل العمل إغراءً للفرد فى البلدان المتخلفة، ويبقى الوصول إليها تطلعاً فردياً مشروعاً، يتحقق برتابة فائقة كلما سنحت الفرصة فى سوق العمل الخارجى. ولهذه القاعدة بالطبع، استثناءات تمثلها الكفاءات التى تتبنى دور المثقف الطليعى الملتزم وتبقى فى أوطانها تكافح لصنع غد أفضل.

    ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن هناك عملية إغراء وسرقة متعمدة من قبل المراكز النشطة فى الغرب الرأسمالى، خاصة عبر الشركات عابرة الجنسيات والتى تشكل القطب الرئيس لنظام العولمة، لاختطاف خيرة كفاءات بلدان العالم الثالث التى يمكن أن تندمج بسهولة فى النشاط العلمى والمهنى القائم فى الدول الغربية المصنعة أو خارجها فى خدمة عابرات الجنسيات. وهذه العملية، فى واقع الأمر نشاط طبيعى فى ظل التنظيم الرأسمالى للنشاط الاجتماعى-الاقتصادى للعالم فى ظل العولمة.

    ويبين هذا التصور أن هجرة الكفاءات للغرب الرأسمالى ليست إلا المقابل الدولى لنزيف الكفاءات داخل البلدان المتخلفة ذاتها. إذ يؤدى البحث عن موقع مهنى ومزايا شخصية أفضل داخل سوق العمل المحلى فى ظل التنظيم الرأسمالى المشوه القائم داخل بلدان العالم الثالث، واجتذاب المراكز الأقدر لخيرة الكفاءات، إلى هجرة الكفاءات من المناطق الأفقر إلى
    المناطق الأغنى. إن الآلية نفسها التى تنتج النزيف الداخلى للكفاءات فى البلدان المتخلفة، تعمل أيضاً على المستوى الدولى. فإذا كان المعتاد أن تسعى الكفاءات داخل بلد الأصل للتنافس للوصول إلى أعلى رفاه خاص، والذى تجده عادة فى العاصمة، فماذا يمنعها، إعمالاً للمبادئ نفسها، من أن تكسر حدود بلدانها، حين تتمكن، للوصول إلى المراكز المقابلة فى البلدان الأغنى فى النظام الاقتصادى الدولى؟

    وعلى نظام التعليم القائم فى بلدان العالم الثالث، سواء داخل هذه البلدان أو خارجها، معول كبير فى قيام هجرة الكفاءات، إذ يعمل النظام التعليمى كأداة فعالة لإدماج الأجيال الناشئة فى السوق الدولى للكفاءات، ويغرس فيهم الانتماء، ثقافياً، لمراكز النظام الرأسمالى العالمى. ويتعين ملاحظة أن هذا الانتماء يتعاظم مع زيادة كفاءة الاتصال على صعيد العالم. ويصف محمد أمين التوم (1981، 53) النظام التعليمى فى السودان، على سبيل المثال، بأنه "نظام نخبوى إلى حد بعيد، ومتحيز للقطاع الحديث، ومتحيز بالتالى للحضر، ويؤكد على الشهادة الأكاديمية، والمنافسة، والإنجاز الفردى، ويغرس فى النفوس احتقاراً للعمل اليدوى، ويغرس لدى الذين ينتظمون فيه فترة طويلة القيم والأيديولوجيا الغربية".

    هناك إذن تعارض أساسى بين التوجه القائم لنسق التعليم فى بلدان العالم الثالث والذى لا ينتج كفاءات متناسبة مع الاحتياجات المحلية، وإنما كفاءات تناظر ما تخرجه أنظمة التعليم فى البلدان الغربية المصنعة، تصلح للتداول فى السوق العالمى للكفاءات. ونُذِّكر على سبيل
    المثال بمهارات الأطباء الذين يدربون على الطب العلاجى، كما يمارس فى مستشفيات كبيرة حسنة التجهيز، فى إطار نظام خدمات حضرى، على حين أن هذه المؤسسات غير موجودة بالدرجة الكافية فى بلدان العالم الثالث، خاصة فى مناطقه الأفقر. ونُذِّكر كذلك بمهارات المهندسين المعماريين الذين يتعلمون التصميم فى وسط حضرى للبناء بالأسمنت المسلح، مما يعنى فى غالبية البلدان النامية القضاء على تكنولوجيا البناء المحلية المتناسبة تماماً مع البيئة، وإدخال تكنولوجيا غربية كثيراً ما تكون غير صالحة للبيئة المحلية.

    ويعنى اغتراب نظام التعليم عن احتياجات المجتمع المحلى فى بلدان الأصل، والتزامه فى الوقت نفسه بالحداثة الغربية، أنه ينتج بالأساس مهارات للسوق الدولية، ومحورها البلدان الغربية المصنعة ومؤسساتها البحثية والاقتصادية. أى، بعبارة أخرى، يتيح شروط التحاق كفاءات البلدان المتخلفة بهذه السوق.

    إذ أن "شرط الالتحاق بالسوق الدولية للكفاءات هو حيازة مؤهلات قابلة للتداول على الصعيد الدولى. وينطوى هذا- بدرجات متفاوتة- على انقطاع الصلة بين المؤهلات والاحتياجات المحلية. بمعنى آخر، فإن المهنيين من أبناء العالم الثالث إنما يكتسبون إمكان حركتهم على الصعيد الدولى، إما عن طريق الدراسة بالخارج أو بانتظامهم فى سلك مؤسسات محلية تكون مناهجها ومقرراتها أقرب ملاءمة لظروف العمل فى البلدان المتقدمة عنها فى البلدان النامية" (أوسكار غيش، 1981، 265).

    ولاشك أن التعليم بالخارج هو أحد المنافذ الرئيسية التى يتم عن طريقها تسرب الكفاءات من بلدان العالم الثالث إلى الغرب الرأسمالى. فعن طريقه يكتسب مواطنو العالم الثالث المهارات المناسبة لسوق العمل الغربى مباشرة. ولكنهم أيضاً يكتسبون قيم الغرب ونمط الحياة السائد به عن خبرة ومعايشة.

    ولهذه النقطة الأخيرة أهمية جوهرية، إذ لا تتوقف مساهمة نظام التعليم، فى خلق الظروف الموضوعية لهجرة الكفاءات، عند حد إنتاج مهارات غير متناسبة مع متطلبات الناس فى بلدان الأصل، بل تتعدى ذلك إلى إكساب المنخرطين فيه قيماً ونسق حوافز فردية هى من أسوأ ما يميز الطبقة الوسطى فى المجتمعات الرأس

  6. #6
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    8

    افتراضي الي يريد الهجرة حياه (ههههههههههه لاتصدقون عماركم)بحث

    يبتلج انشاء الله يعجبج

    بس انتي عليج اترتبينة

    هجرة الكفاءات من الوطن العربى فى منظور استراتيجية لتطوير التعليم العالى
    د. نادر فرجانى
    يوليو 2000

    المحتويات

    تمهيد
    أولاً: أثر هجرة الكفاءات على بلدان الأصل
    ثانياً: أسباب هجرة الكفاءات
    ثالثاً: مواجهة هجرة الكفاءات
    مراجع

    MS Word XXXXXXXX (zipped) يوصى بهذه الصفحة


    تمهيد
    تعنى "هجرة الكفاءات" انتقال الأفراد عاليّ التأهيل (عادة خريجى التعليم العالى وما فوقه) من بلد ما لبلد آخر بغرض العمل والإقامة الدائمة. وقد عانت بلدان العالم الثالث من هذا النوع من الهجرة خلال القرن العشرين وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن "نزيف العقول" brain drain لم يلق اهتماماً دولياً كبيراً إلا فى نهاية الستينيات والسبعينيات الأولى بعد أن بدأت بلدان غربية مصنّعة، كإنجلترا، تفقد بعض كفاءاتها لدول غربية أخرى فى حال اقتصادى أفضل (باجواتى و بارنجتون، بالإنجليزية، 1976، 3).

    وسنعرض فى هذه الدراسة لموضوع هجرة الكفاءات إلى خارج الوطن العربى، مع الاهتمام بعلاقته بمنظومة التعليم العالى والبحث والتطوير فى البلدان العربية[1]، من منظور التنمية العربية. ويعنى هذا، على وجه الخصوص، أننا لن نتطرق، تفصيلاً، إلى كثير من الجوانب المهمة ذات الصبغة الدولية فى الجدل العالمى حول هجرة الكفاءات، مثل الاقتراحات الخاصة بفرض ضرائب على الكفاءات المهاجرة فى بلدان الإقامة تخصص لتمويل الإنماء فى بلدانهم الأصلية، إما مباشرة، أو عن طريق مؤسسات دولية تدعم جهود الإنماء فى بلدان الأصل، أو تعويض البلدان المستقدمة للكفاءات لبلدان الأصل عن كفاءاتها المفقودة (انظر مثلاً: المرجع السابق، 22-30). كذلك لن نعرض لحلول الحد من هجرة الكفاءات التى تقتضى تعاوناً وثيقاً من الدول الغربية المصنعة. إذ تدل الخبرة التاريخية، من جانب، والظروف الخاصة بهجرة الكفاءات، من جانب آخر، أن هذه الدول لا تقبل، مختارة، التنازل عن موقعها الاستغلالى المهيمن فى النظام الاقتصادى العالمى.

    ولم نحاول الإحاطة بتقديرات كمية لمدى تعرض أقطار الوطن العربى لهجرة الكفاءات. فمن ناحية- البيانات غير متوافرة. ومن ناحية أخرى، نعتقد أن مناقشة القضايا الأساسية فى هجرة الكفاءات، وعلاقتها بتطوير التعليم العالى والبحث والتطوير فى البلدان العربية، هى أجدى، فى مجال بحثنا الحالى، من الاستغراق فى تقديرات كمية غير موثوق بها كثيراً.

    ويكفينا فى هذا الصدد الإشارة إلى تقديرات أنطوان زحلان (1981، 23) من أن هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء العرب إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة وصلت حتى 1976 إلى حوالى 24.000 طبيب، 17.000 مهندس، و75.000 مشتغل بالعلوم الطبيعية يمثلون 50، و 23 ، و 15 بالمائة، على الترتيب، من جملة هذه الفئات المهنية فى الوطن العربى.

    وعند نهاية القرن العشرين، يقدِّر أنطوان زحلان أيضاً أن "حوالى مليون مهنى عربى أو أكثر" يعملون فى بلدان منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (1999، 184)، وهو تقدير يومئ إلى تصاعد هجرة الكفاءات فى الربع الأخير من القرن العشرين.

    والأهم أن هجرة الكفاءات ينتظر أن تتصاعد أكثر باشتداد العولمة، فعلى الرغم من أن أحد التناقضات الرئيسية للنظام العالمى الجديد، النابعة من فرض البلدان المصنعة لمصالحها على البلدان المتخلفة، هى الإصرار على حرية التجارة فى السلع والخدمات على حين تستمر حدود البلدان المصنعة مغلقة أمام انتقال البشر إليها. ولكن، أيضاً انطلاقاً من مصالح البلدان المصنعة المهيمنة على ذلك النظام العالمى الجديد ومن الدور بالغ الأهمية للمعرفة والتقانة فى تحديد التقدم فى عالم كثافة المعرفة، يقوم سوق عمل عالمى واحد يختص بالكفاءات العالية التى ترى البلدان المصنعة فائدة فى اقتناصهم من البلدان المتخلفة، مع استمرار إغلاق الحدود فى وجه غيرهم من مواطنيهم.

    والأخطر أن الهجرة ينتظر أن تصيب العناصر الأكثر استعداداً من الأجيال الأصغر من كفاءات البلدان المتخلفة، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الأقدر بما يتيح لهم قرباً اجتماعياً وثقافياً من بلدان الهجرة المرتقبة من خلال وسائل الاتصال الحديثة، ويمكن لهم أن ينتظموا فى مساقات تعليمية تقربهم مهنياً وثقافياً من البلدان الغربية المصنعة. ويعنى ذلك التطور المرتقب سلب مجتمع الكفاءات فى البلدان المتخلفة أكثر شرائحه حيوية، مما يترتب عليه تفاقم قصور إنتاج المعرفة واكتسابها، على وتيرة متصاعدة، فى المستقبل.

    وبهذا الشكل فإن هجرة الكفاءات ينتظر أن تساهم فى زيادة الاستقطاب الاجتماعى فى البلدان المتخلفة من ناحية، وفى توثيق الصلة، عضوية، بين الفئات الاجتماعية المتنفذة فـى هذه البلدان وبين الغرب المصنع، من ناحية أخرى، بما يفت فى عضد الهوية والانتماء لبلدان تحتاج، ماساً، لتعظيم معين الهوية والانتماء بين أهليها، إن كان لها أن تتقدم.

    ومعروف أن بلدان الوطن العربى تتفاوت كثيراً فى مدى مساهمتها فـى تيار الهجرة هذا. فعلى سبيل المثال، من المهاجرين العرب من العلماء والمهندسين إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من 1966-1977 قدمت مصر قرابة 60 بالمائة، وزادت مساهمة كل من العراق ولبنان عن عشرة بالمائة بينما كان نصيب كل من سوريا والأردن وفلسطين حوالى خمسة بالمائة من المجموع.

    ويورد محسن خضر (2000، 152-155) بيانات تدلل على أن مصر هى، بين الدول العربية، الخاسر الأكبر من هجرة الكفاءات، فى الكم المطلق، وهذا أمر متوقع فى ضوء تقدم مصر على البلدان العربية فى عدد الكفاءات من ناحية، وقِدم إيفاد أبنائها للبلدان المصنّعة طلباً للعلم، وهو من أحد أسباب هجرة الكفاءات، من ناحية أخرى.

    أما إذا أخذنا فى الاعتبار حجم القاعدة السكانية لبلد الأصل، فإن الوقع الكمى النسبى لهجرة الكفاءات يتباين بين هذه البلدان، على الترتيب من الأعلى للأدنى، على الوجه التالى: لبنان، فلسطين، الأردن، مصر، العراق، سوريا (ألان فيشر، 1981، 221-223). وإذا لاحظنا صعوبة الفصل بين الفلسطينيين والأردنيين فى مثل هذه الإحصاءات، وأن جزءاً ممن يصنفون كأردنيين هم أصلاً فلسطينيون، لاحتلت فلسطين رأس القائمة يليها لبنان ثم مصر.

    ونقدم فى بقية الدراسة عرضاً نظرياً مختصراً لأثر هجرة الكفاءات على بلدان الأصل ثم نتطرق لتحليل أسبابها كمقدمة لتناول مواجهة هجرة الكفاءات. والموضوعان الأول والثانى لا يطرحان خصوصية عربية واضحة ولذلك نعالجهما بعمومية.

    أولاً: أثر هجرة الكفاءات على بلدان الأصل
    ثار، بين الاقتصاديين، جدل كبير حول ما إذا كان يترتب على هجرة الكفاءات فقد أو خسارة لبلد الأصل، خاصة إذا كان بلداً نامياً (متخلفاً). أو بمعنى آخر، حول ما إذا كانت هجرة الكفاءات هى فى حقيقة الأمر "نزيف" لمورد حيوى يضعف من فرص التنمية أو مجرد "صمام أمان" مطلوب لتدفق الكفاءات الزائدة عن حاجة مجتمع متخلف، لا يستفيد منها على أية حال، إلى خارجه، بما يحقق مصلحة هذه الكفاءات، بل ومصلحة البشرية جمعاء.

    بل لقد ذهب البعض إلى أن بلد الأصل يجنى فى الواقع مكاسب من هذه الهجرة. وقُدِّمت لذلك مبررات عدة أهمها أن الكفاءات المهاجرة تنتقل إلى مجتمع أكثر "تقدماً" يوفر لهـا ظروف عمل ومعيشة أفضل مما يؤدى إلى أن ترتفع إنتاجيتها وأن تساهم بدرجة أكبر، عما إذا بقيت فى مواطنها، فى صنع المعرفة والتقدم الإنسانى، وهذا معين عام تشترك فيه كـل البشرية بما فى ذلك بلد الأصل.

    وفساد هذه الحجة واضح. إذ حتى لو استبعدنا التناقض الظاهر بين مصالح بلدان المهجر المتقدمة مع مصالح بلدان الأصل المتخلفة، فى سياق النظام العالمى الجديد، فكثيراً ما تكون مساهمة الكفاءات المهاجرة فى إنتاج المعرفة خاضعة لبراءات اختراع وعلامات تجارية لا تتيح لبلد الأصل الاستفادة الحرة منها. وفى أحيان أخرى يُمنع بلد الأصل من ذلك، لدواعى سرية خاصة بأمن بلد المهجر. وفى الحالات التى لا تقوم عوائق دون التوصل للمعرفة أو الفن الإنتاجى تواجه بلد الأصل عقبة أنها غالباً ما تكون مصممة لخدمة أغراض ونمط احتياجات بلدان المهجر المتقدمة، بمـا لا يتواءم واحتياجات بلدان الأصل المتخلفة (باجواتى، بالإنجليزية، 1976أ).

    ولسنا هنا بصدد إعادة ذلك الجدل الكبير، خاصة وأنه يبدو قد حسم باتجاه قبول أن هجرة الكفاءات تؤدى إلى خسارة ومشكلات اقتصادية فى بلدان الأصل (باجواتى، بالإنجليزية، 1979). ولكن ما يعنينا هو تلخيص بعض النقاط الجوهرية فى ذلك الجدل، والتى نعتقد أنها ذات علاقة بموضوعنا، وتقديم بعض الإضافات عليها.

    ينجم عن هجرة فرد ما خسارة أولية لبلد الأصل تتمثل فى التكلفة التاريخية التى تكبدها المجتمع فى تكوين وتعليم المهاجر، مباشرة أو بطريق غير مباشر، حتى وقت الهجرة. وبالطبع يقابل التكلفة التاريخية لبلد الأصل، حصول بلد المهجر على مكسب أولى يعادل التكلفة التى كان سيتكبدها لو كان المهاجر إليه قد تكون أساساً داخل حدوده. ولا يتساوى هذا المكسب بالضرورة مع التكلفة التاريخية للمهاجر فى بلد الأصل. وقد قدر بعض الباحثين أن ألمانيا الغربية مثلاً قد وفرت فى نفقات تربية الأطفال والتعليم التى كان يمكن أن تتحملها للحصول على عدد العمال المهاجرين نفسه، الذى حصلت عليه فى الفترة 1957-1973، مبلغاً يكفى لأن يتحول فى 1973 إلى ما يزيد عن 27 مليار مارك، أو أكثر من واحد بالمائة من جملة رأس المال القومى حينئذٍ (ستال، بالإنجليزية، 1982). وواضح أن التكلفة التاريخية ترتفع كلما زادت درجة تأهيل المهاجر. ومن وجهة النظر هذه تنطوى هجرة الكفاءات على أكبر تكلفة تاريخية بين المهاجرين إطلاقاً.

    وعلى الرغم من أن التكلفة التاريخية للمهاجر تعد من أبسط عناصر الخسارة التى يتحملها بلد الأصل فى هجرة الكفاءات إلا أن لها بُعداً اجتماعياً، أو بلغة الاقتصاد- توزيعياً، مهماً يزيد من عبئها ويحسن الإشارة إليه. فلما كانت بلدان الأصل فى العالم الثالث فقيرة، والتعليم العالى بها ميزة لا يحصل عليها إلا نخبة، ولما كانت هذه النخبة، وهى عادة الأقدر مالياً، لا تتحمل إلا نسبة ضئيلة من تكلفة التعليم العالى، فإن التكلفة المجتمعية لتعليم الكفاءات المهاجرة تقع فى الحقيقة على كاهل الغالبية الفقيرة التى لم تنل حظ هذه الكفاءات نفسه من التعليم العالى.

    ولكن، هل هناك عناصر خسارة لبلد الأصل غير التكلفة التاريخية؟ هنا ننتقل إلى أفق زمنى مستقبلى ويتوقف الأمر، فى نظر الاقتصاديين، على إنتاجية المهاجر. وفى هذا الصدد يعرِّف الاقتصاديون قيماً تعبر عن القيمة الحالية وقت الهجرة، فى بلد الأصل، لأجر المهاجر أو دخله، أو مقياس آخر لإنتاجيته الحدية الخاصة (أى إنتاجيته كفرد)، طوال عمره الإنتاجى المتوقع منذ وقت الهجرة، وطبقاً لمعدل خصم يتفق عليه. وبالطبع، يمكن تعريف قيم مقابلة تعبر عن المكسب المناظر الذى يجنيه بلد المهجر. وفى النهاية، يمكن تحويل مقاييس الكسب إما إلى خسارة صافية، أو مكسب صاف، بطرح التكلفة الاجتماعية التى تحملها بلد الأصل- شاملة التكلفة الفردية التى تحملها المهاجر وأسرته، أو تلك التى كان سيتحملها بلد المهجر، من الكسب، الفردى أو المجتمعى، الذى يقدر أن يحققه للمهاجر (باجواتى، بالإنجليزية، 1976ب).

    وأحياناً يُدَّعى أن الإنتاجية الحدية الخاصة للكفاءات المهاجرة فى بلدان العالم الثالث هى ضعيفة جداً، تكاد تقترب من الصفر، بل وأحياناً تكون سالبة. وأنه فى هذه الحالة لا يترتب على ترك هذه الكفاءات لبلد الأصل خسارة اقتصادية، بل يمكن أن يكون فى ذلك كسب، مثلاً إذا كان الأجر الذى يحصل عليه المهاجر أعلى من إنتاجيته الحدية الخاصة، كما يحدث أحياناً فى القطاع الحكومى. ويعانى هذا المنطق من عيب جوهرى فى اقتصاره على التحليل الفردى الذى يهمل الدور المجتمعى، بالغ الأهمية، للمعرفة المتجسدة فى الكفاءات عالية التأهيل.

    وإن انطبق هذا التحليل على بعض عناصر الكفاءات، فإنه بالقطع لا يشملها كلها. وهنا علينا أن نتذكر أن البلدان المتخلفة تعانى بوجه عام من نقص الكفاءات المطلوبة لدفع عجلة التقدم. وتزداد مغبة عجز الكفاءات فى البلدان المتخلفة هذا فى عصر "الاقتصاد الجديد" الذى تعتمد الأنشطة عالية القيمة المضافة فيه بشكل حرج على كثافة المعرفة، هذا من ناحية.

    ومن ناحية أخرى، فإن الهجرة، خاصة بالنسبة للكفاءات، ظاهرة انتقائية، بمعنى أن العناصر الأنشط والأكثر تأهيلاً هى عادة تلك التى تزيد فرصة هجرتها.

    ومؤدى هذه الاعتبارات أن هجرة الكفاءات تزيد فى النهاية مـن عجز الكفاءات فى بلدان العالم الثالث عموماً ومن تدنى إنتاجية عناصر الكفاءات الباقية فى مجتمع الأصل.

    ومحصلة هذا الوضع أن تؤدى هجرة الكفاءات، فى الأجل الطويل، إلى تخفيض الرصيد المعرفى، ومن ثم الناتج الإجمالى، فى بلدان الأصل نتيجة لفقد الناتج المترتب على وجود الكفاءات التى هاجرت، من جانب، ولفقد وفورات الحجم الكبير فى المعرفة التى تنجم عن اضمحلال مجتمع كفاءات بلد الأصل، من جانب آخر.

    وحتى إذا قبلنا أن بعض عناصر الكفاءات فى بلدان العالم الثالث تعانى من إنتاجية خاصة منخفضة، وخاصة بالنسبة للإنتاجية المتوقعة من درجة التأهيل العالية (المثال التقليدى على هذا الحال فى الجدل الاقتصادى الدولى هو الطبيب البشرى الذى يعمل سائقاً لسيارة تاكسى لأنه
    لا يجد عملاً كطبيب فى العاصمة) فإن ذلك يجب ألا يدفعنا لاعتبار أن هجرته إلى أحد بلدان الغرب المصنعة لا تشكل خسارة لبلد الأصل، حتى وإن مارس المهاجر عمله المؤهل له فى بلد المهجر. فالإطار المنطقى لمناقشة هذا الأمر يجب أن يـأخذ إمكانية الهجرة للخارج كعنصر أصيل فى اتخاذ الأفراد للقرارات المتعلقة بمساهمتهم فى النشاط الاقتصادى فى بلد الأصل[2].

    ويمكن أن نضيف إلى الآثار السالبة لهجرة الكفاءات، صعوبة التحكم فى نسق الأجور فى سوق العمل المحلى، وضعف السياسات الاجتماعية التى قد ترغب سلطات بلد الأصل فى تحقيقها عن طريق نظام الأجور- مثل تقليل التفاوت فـى الدخول، نظراً لضرورة إدخال الدخل المرتفع المتوقع عن طريق الهجرة فى الحسبان. كما أن نقص الكفاءات، الذى تزيد من حدته الهجرة، يؤدى ببلدان العالم الثالث إلى استقدام كفاءات أجنبية لدعم النشاط الاقتصادى بها مما يترتب عليه تكلفة مادية واجتماعية كبيرة. ويحدث أحياناً أن تعود الكفاءات المهاجرة لبلادها كخبرات أجنبية تحت علم بلد آخر ولخدمة مصالح ليست بالضرورة متوحدة مع مصلحة أوطانها الأصلية، وفى هذا الخسارة الأعظم.

    ونود أن ننهى هذا القسم بالإشارة إلى أن الإنتاجية المجتمعية لفئة الكفاءات فى بلد نام، هى أكبر من مجمل الإنتاجية الخاصة لعناصرها. ويعود هذا إلـى الدور الخاص الذى يمكن أن تلعبه فئة الكفاءات، أو على الأدق شريحة الطليعة منها، فى إطار تصور حركى للتغير الاجتماعى-السياسى الذى هو صلب عملية التنمية. وإذا أردنا الدقة، فإن فئة الكفاءات فى مجتمعات نامية يمكن، تحت ظروف موضوعية مناسبة، أن تفرز شريحة فرعية قوية تتبنى عن اقتناع مبدأ العمل لتطوير مجتمعها، وتقوم بهذه المهمة التاريخية بتضحية وإنكار ذات يفصلانها عن مصالحها الذاتية وإن كان يتحقق لأعضائها، خلال ذلك، إشباع معنوى لا تعدله مصلحة مادية. ويكون لنشوء هذه الطليعة المثقفة الملتزمة معول كبير فى دفع عجلة التقدم.

    وبالطبع لا ينتمى إلى هذه الطليعة كل الكفاءات، ولكنها تكون نواة تحيط بها عناصر فئة الكفاءات كلها، وتتفاعل الطليعة مع محيط الكفاءات جدلياً. ومن منظور هذا الدور التاريخى، قد تلعب كفاءات محبطة، لا تزيد إنتاجيتها الحدية الخاصة عن الصفر كثيراً، دوراً مهماً فى نشوء وتدعيم طليعة المثقفين. وبهذا قد يكون لهجرة الكفاءات مساهمة مدمرة فى إجهاض احتمالات تبلور الطليعة المثقفة من رحم فئة الكفاءات. وقد يكون فى هذا الغرم الأكبر لهجرة الكفاءات. إذ فيه جناية على إمكانية التنمية ببلدان الأصل.

    ولعل أحد أهم قنوات الحد من إمكان التقدم فى بلدان الأصل نتيجة لهجرة الكفاءات هو إضعاف منظومة إنتاج المعرفة واكتسابها، ودورها فى إحراز التقدم فى العصر الحالى ليس بحاجة لتأكيد. فالمعروف أن هجرة الكفاءات تصيب أشد ما تصيب مؤسسات التعليم العالى والبحث والتطوير حيث تكون العناصر الفاعلة فى هذه المؤسسات مـن أكثر عناصر الكفاءات رغبة فى الهجرة، ومن أعظمها فرصة فى تحقيقها.

    ثانياً: أسباب هجرة الكفاءات
    إن دراسة أسباب هجرة الكفاءات هـى الأساس المنطقى لاقتراح المبادئ والسياسات التى يمكن أن تتخذ للحد منها أو لمواجهة الآثار السالبة المترتبة عليها. وتتراوح تفسيرات ظاهرة هجرة الكفاءات بين مدرستين:

    الأولى: تعالج الظاهرة من منظور فردى بالأساس، مؤداه أن الكفاءات أفراد متميزون يسعون لتحقيق ذاتهم فكرياً ومهنياً، ولضمان ظروف عمل ومعيشة مريحة تكفل لهم حرية التفكير وإمكانية الإبداع. ولما كان هذا السعى يحبط فى أغلب الأحيان فى البلدان المتخلفة، فإن هذه الكفاءات تجد لها مكاناً، إن استطاعت، فى بلدان الغرب المصنعة. وتستمد هذه الدراسة أصولها الفكرية من التحليل الاقتصادى النيوكلاسيكى وبعض المعالجات النفسية والاجتماعية. وتكاد غالبية التفسيرات الواقعة فى نطاق هذه المدرسة أن تسقط أى دور مجتمعى للكفاءات فى العالم الثالث سواء كان الدافع لهذا الدور خلقياً، راجع للاعتراف بالجميل لبلد الأصل، أو طموحاً تقدمياً كما هو فى حالة طليعة المثقفين.

    أما المدرسة الثانية فتتناول هجرة الكفاءات من حيث أنها ظاهرة دولية تمتد جذورها عميقة فـى نظام الاقتصاد-السياسى الذى يسيطر على العالم. وعليه، فإن تفسير الظاهرة يكمن فى الخصائص الجوهرية للنظام الاقتصادى العالمى خاصة تلك المتعلقة بقيام سوق دولية للكفاءات.

    ولنحاول التعرف على بعض التفاصيل فى تفسير هاتين المدرستين لهجرة الكفاءات.

    تحدد المدرسة الأولى عوامل مهمة تدعو الكفاءات للهجرة من البلدان المتخلفة، هى:

    · انخفاض مستوى الدخل وتدنى مستوى المعيشة.

    · الإحباط العلمى والمهنى العائدان لعدم توافر إمكانات البحث (الكتب والمجلات العلمية، والمعدات والأجهزة، والوقت اللازم للبحث، والبنيان المؤسسى للبحث العلمى، والاتصال العلمى الدولى).

    · قرب غياب حرية الفكر والرأى والأسلوب العلمى لإدارة المجتمع.

    إلا أن بعض نتائج الدراسات التى تنضوى تحت المدرسة الفردية تشكك فى أهمية بعض المسببات الأساسية التى تقدم لهجرة الكفاءات. فعلى سبيل المثال، تظهر الدراسة الميدانية الكبيرة التى تمت بإشراف معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب، فى عدد من الدول المرسلة والمستقبلة للكفاءات المهاجرة، أن متغير الدخل ليس على الأهمية التى أعطيت له قبلاً (راجع ملخص النتائج فى: جلاسر وهابرس، بالإنجليزية، 1978)، فلا الدخل الفردى أهم محددات قرار الهجرة، ولا ينتج عن معدل مرتفع لنمو الدخل القومى إنقاص هجرة الكفاءات، بل إن عدداً ليس قليلاً من الكفاءات يتمكن أحياناً من الحصول على دخل حقيقى أعلى فى بلد
    الأصل عن بلد الهجرة فى الغرب المصنع، مما يدعو إلى البحث عن الأسباب الحقيقية فى مجال خلاف انخفاض الدخل.

    وفى أحيان قليلة يصل أنصار هذه المدرسة (الفردية) إلى أن هناك عوامل تساعد على زيادة هجرة الكفاءات من بلدان العالم الثالث مثل:

    · ضعف انتماء الكفاءات المهاجرة لحضارة بلد الأصل فى مواجهة تأثير الحضارة الغربية السائدة، أو قرب حضارة بلد الأصل للحضارة الغربية.

    · ضعف علاقات الانتماء إلى بلد الأصل سواء على المستوى المجتمعى، كما يظهر فـى حالـة الكفاءات التى تنتمى إلى أقليات مضطهدة مثلاً، أو على المستوى العائلى والشخصى، مما يتعلق بمدى تماسك العلاقات الاجتماعية.

    ونحن نرى فى هذه المقولات بذور شك فى التفسيرات الأساسية لهذه المدرسة، مما ينقلنا، بصورة طبيعية إلى المدرسة الثانية.

    تقدم مدرسة الاقتصاد-السياسى أن السبب الجوهرى لهجرة الكفاءات هو الارتباط العضوى لبلدان العالم الثالث بمركز النظام الرأسمالى العالمى فى دول الغرب المصنعة فى علاقة تخلف وتبعية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية. ويقوم هذا الارتباط العضوى، فيما يتعلق بهجرة الكفاءات، على ثلاث دعائم أساسية:

    · سوق دولية للكفاءات هى امتداد طبيعى، يحمل معه مزايا فردية ضخمة، لسوق العمل ببلدان الأصل.

    · خلقية المنافسة الفردية فى الإطار الرأسمالى المشوه السائد ببلدان العالم الثالث، والتى تدفع الفرد للسعى لتحقيق أعلى مستوى مـن الرفاه الخاص، مقاساً مادياً بصرف النظر عن الرفاه الجمعى.

    · نسق تعليم وتأهيل فى بلدان العالم الثالث، يمتد أيضاً إلى خارجها من خلال تقليد أنساق التعليم العالى لنظائرها فى البلدان الغربية المصنعة وعبر الابتعاث للدراسة فى الخارج، وينتج كفاءات من النوعية المطلوبة للسوق الدولى بدلاً من تلك التى تتواءم مع الاحتياجات الأساسية لبلدان الأصل.

    حيث تعنى تبعية البنية الاقتصادية-السياسية الحاكمة فى بلدان العالم الثالث لمركز النظام الرأسمالى فى الغرب، ألا تقوم عوائق مهمة فى سبيل انتقال الكفاءات من إحدى بلدان الأصل إلى بلدان الغرب المصنعة. ويؤدى هذا فى الواقع إلى إضافة شريحة خارجية لسوق العمل المحلى، تحمل معها مزايا معيشية ومهنية لا تتوافر فى بلدان الأصل. وتتكون السوق الدولية للكفاءات من مجمل هذه التقاطعات بين أسواق العمل فى بلدان الأصل والدول الغربية المصنعة.

    ومؤدى قيام السوق الدولية للكفاءات، وسيادة خلقية المنافسة الفردية لتحقيق أعلـى رفاه خاص، أن تصبح فرصة العمل فى أحد بلدان الغرب المصنعة، هى أكثر بدائل العمل إغراءً للفرد فى البلدان المتخلفة، ويبقى الوصول إليها تطلعاً فردياً مشروعاً، يتحقق برتابة فائقة كلما سنحت الفرصة فى سوق العمل الخارجى. ولهذه القاعدة بالطبع، استثناءات تمثلها الكفاءات التى تتبنى دور المثقف الطليعى الملتزم وتبقى فى أوطانها تكافح لصنع غد أفضل.

    ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن هناك عملية إغراء وسرقة متعمدة من قبل المراكز النشطة فى الغرب الرأسمالى، خاصة عبر الشركات عابرة الجنسيات والتى تشكل القطب الرئيس لنظام العولمة، لاختطاف خيرة كفاءات بلدان العالم الثالث التى يمكن أن تندمج بسهولة فى النشاط العلمى والمهنى القائم فى الدول الغربية المصنعة أو خارجها فى خدمة عابرات الجنسيات. وهذه العملية، فى واقع الأمر نشاط طبيعى فى ظل التنظيم الرأسمالى للنشاط الاجتماعى-الاقتصادى للعالم فى ظل العولمة.

    ويبين هذا التصور أن هجرة الكفاءات للغرب الرأسمالى ليست إلا المقابل الدولى لنزيف الكفاءات داخل البلدان المتخلفة ذاتها. إذ يؤدى البحث عن موقع مهنى ومزايا شخصية أفضل داخل سوق العمل المحلى فى ظل التنظيم الرأسمالى المشوه القائم داخل بلدان العالم الثالث، واجتذاب المراكز الأقدر لخيرة الكفاءات، إلى هجرة الكفاءات من المناطق الأفقر إلى
    المناطق الأغنى. إن الآلية نفسها التى تنتج النزيف الداخلى للكفاءات فى البلدان المتخلفة، تعمل أيضاً على المستوى الدولى. فإذا كان المعتاد أن تسعى الكفاءات داخل بلد الأصل للتنافس للوصول إلى أعلى رفاه خاص، والذى تجده عادة فى العاصمة، فماذا يمنعها، إعمالاً للمبادئ نفسها، من أن تكسر حدود بلدانها، حين تتمكن، للوصول إلى المراكز المقابلة فى البلدان الأغنى فى النظام الاقتصادى الدولى؟

    وعلى نظام التعليم القائم فى بلدان العالم الثالث، سواء داخل هذه البلدان أو خارجها، معول كبير فى قيام هجرة الكفاءات، إذ يعمل النظام التعليمى كأداة فعالة لإدماج الأجيال الناشئة فى السوق الدولى للكفاءات، ويغرس فيهم الانتماء، ثقافياً، لمراكز النظام الرأسمالى العالمى. ويتعين ملاحظة أن هذا الانتماء يتعاظم مع زيادة كفاءة الاتصال على صعيد العالم. ويصف محمد أمين التوم (1981، 53) النظام التعليمى فى السودان، على سبيل المثال، بأنه "نظام نخبوى إلى حد بعيد، ومتحيز للقطاع الحديث، ومتحيز بالتالى للحضر، ويؤكد على الشهادة الأكاديمية، والمنافسة، والإنجاز الفردى، ويغرس فى النفوس احتقاراً للعمل اليدوى، ويغرس لدى الذين ينتظمون فيه فترة طويلة القيم والأيديولوجيا الغربية".

    هناك إذن تعارض أساسى بين التوجه القائم لنسق التعليم فى بلدان العالم الثالث والذى لا ينتج كفاءات متناسبة مع الاحتياجات المحلية، وإنما كفاءات تناظر ما تخرجه أنظمة التعليم فى البلدان الغربية المصنعة، تصلح للتداول فى السوق العالمى للكفاءات. ونُذِّكر على سبيل
    المثال بمهارات الأطباء الذين يدربون على الطب العلاجى، كما يمارس فى مستشفيات كبيرة حسنة التجهيز، فى إطار نظام خدمات حضرى، على حين أن هذه المؤسسات غير موجودة بالدرجة الكافية فى بلدان العالم الثالث، خاصة فى مناطقه الأفقر. ونُذِّكر كذلك بمهارات المهندسين المعماريين الذين يتعلمون التصميم فى وسط حضرى للبناء بالأسمنت المسلح، مما يعنى فى غالبية البلدان النامية القضاء على تكنولوجيا البناء المحلية المتناسبة تماماً مع البيئة، وإدخال تكنولوجيا غربية كثيراً ما تكون غير صالحة للبيئة المحلية.

    ويعنى اغتراب نظام التعليم عن احتياجات المجتمع المحلى فى بلدان الأصل، والتزامه فى الوقت نفسه بالحداثة الغربية، أنه ينتج بالأساس مهارات للسوق الدولية، ومحورها البلدان الغربية المصنعة ومؤسساتها البحثية والاقتصادية. أى، بعبارة أخرى، يتيح شروط التحاق كفاءات البلدان المتخلفة بهذه السوق.

    إذ أن "شرط الالتحاق بالسوق الدولية للكفاءات هو حيازة مؤهلات قابلة للتداول على الصعيد الدولى. وينطوى هذا- بدرجات متفاوتة- على انقطاع الصلة بين المؤهلات والاحتياجات المحلية. بمعنى آخر، فإن المهنيين من أبناء العالم الثالث إنما يكتسبون إمكان حركتهم على الصعيد الدولى، إما عن طريق الدراسة بالخارج أو بانتظامهم فى سلك مؤسسات محلية تكون مناهجها ومقرراتها أقرب ملاءمة لظروف العمل فى البلدان المتقدمة عنها فى البلدان النامية" (أوسكار غيش، 1981، 265).

    ولاشك أن التعليم بالخارج هو أحد المنافذ الرئيسية التى يتم عن طريقها تسرب الكفاءات من بلدان العالم الثالث إلى الغرب الرأسمالى. فعن طريقه يكتسب مواطنو العالم الثالث المهارات المناسبة لسوق العمل الغربى مباشرة. ولكنهم أيضاً يكتسبون قيم الغرب ونمط الحياة السائد به عن خبرة ومعايشة.

    ولهذه النقطة الأخيرة أهمية جوهرية، إذ لا تتوقف مساهمة نظام التعليم، فى خلق الظروف الموضوعية لهجرة الكفاءات، عند حد إنتاج مهارات غير متناسبة مع متطلبات الناس فى بلدان الأصل، بل تتعدى ذلك إلى إكساب المنخرطين فيه قيماً ونسق حوافز فردية هى من أسوأ ما يميز الطبقة الوسطى فى المجتمعات الرأسمالية ويكرسها لدرجة تطغى فيها على التراث الحضارى الأصلى.

    وقد يكون هذا الطبع الحضارى متوقعاً فى حال الدراسة ببلدان الغرب المصنعة كما أشرنا. إلا أنه نظراً للتبعية لمراكز النظام الرأسمالى، لا ترقى نظم التعليم ببلدان العالم الثالث عن هذا. فنرى أن النظام التعليمى فى بلد عربى ينتج "أعضاء فـى طبقة وسطى صاعدة، غالباً ما تتطلع إلى الغرب استلهاماً. وهكذا فإن النزعة الفردية والمنافسة تصبحان، بصورة متزايدة، سمات جوهرية للمثقفين. ومع تزايد ضعف القيم القديمة، فإن تعليماً كهذا يساعد باطراد على أن يضعف إلى حـد بعيد ارتباط المثقفين بمجتمعهم" (التوم، المصدر نفسه، ص55) مما ينشئ بيئة موضوعية لانتشار هجرة الكفاءات.

    والآن وبعد أن عرضنا لكل من المدرستين الأساسيتين فى تفسير هجرة الكفاءات، فأيهما نفضل؟ نحن ننحاز للثانية، ويعود ذلك لسببين:

    الأول: أنها تقدم تفسيراً أكمل وأعمق، بينما تركز المدرسة الفردية على بعض جوانب لا تكفى لتفسير الظاهرة وخاصة ظاهرة عدم هجرة أو عودة بعض الكفاءات المؤهلة بجدارة- فنياً- للالتحاق بالسوق الدولية للمهارات.

    والثانى: أنه بسبب قصور المدرسة الفردية عن تقديم تفسير كامل لهجرة الكفاءات، فإن الحلول المقترحة فى نطاقها تكون هامشية. وعلى العكس من ذلك، تقدم مدرسة الاقتصاد-السياسى حلولاً وإن كانت صعبة، إلا أنها جذرية. نرجو أن تتضح هذه الأمور فى القسم التالى.

    وليس معنى هذا التفضيل أننا نميل إلـى إهمال النواحى الفردية. والتى تبرزها المدرسة الأولى، فى معالجة هجرة الكفاءات. كل ما هنالك أننا نرى أن نضع هذه النواحى فى حدودها المناسبة وفى إطار الظواهر الكلية التى تحكمها. وإلا فقدنا رؤية الغابة لتركيزنا على بعض أشجار، كما يقال.

    ثالثاً: مواجهة هجرة الكفاءات
    يمكن تصنيف السياسيات المقترحة لمواجهة هجرة الكفاءات حسب معيارين أساسيين:

    الأول، هو مدى الالتزام المطلوب من كل من بلدان الأصل والمهجر، والثانى هو هدف السياسة.

    من حيث الالتزام المطلوب من طرفى المشكلة، هناك سياسات تقتضى موقفاً منفرداً، إما من بلدان الأصل أو من بلدان المهجر، كما أن هناك سياسات تقتضى التزاماً وتعاوناً من كليهما. وسنركز هنا على تلك السياسات التى يمكن تنفيذها مـن جانب بلدان الأصل. فمن ناحية، محور اهتمامنا هنا هو الوطن العربى، وبالتالى يكون منطقياً التركيز على منظور بلدان المنشأ. ومن ناحية أخرى، كما أشرنا فى التمهيد، نحن لا نعلق آمالاً كبيرة على تخلى بلدان الغرب المصنعة، طواعية، عن ميزة كبرى لها فى النظام الاقتصادى العالمى تمكنها من اجتذاب جانب من خيرة الكفاءات التى تعد على حساب الفقراء فى بلدان العالم الثالث، طبقاً للمواصفات المطلوبة فى مركز النظام الرأسمالى. وعليه، فإن الحلول الناجعة لهجرة الكفاءات العربية لن تأتى، فى تقديرنا، إلا من موقف حاسم من بلدان الوطن العربى، كما سنعرض بعد قليل.

    أما من حيث هدف السياسة فقد يكون، مثالياً، القضاء على هجرة الكفاءات، وقد يتواضع إلى العمل على الحد منها، وهناك بالطبع مجال لأضعف الإيمان فى هذا الميدان، أى التسليم بهجرة الكفاءات مع السعى للحصول علـى بعض المكاسب، أو بعبارة أدق لتقليل الخسائر الناجمة عنها لبلدان الأصل.

    ولنبدأ بمقترحات تقليل الخسائر: أشرنا فى التمهيد إلى أن الساحة الدولية قد انشغلت، أكاديمياً ومؤسسياً، باقتراحات فرض ضرائب على الكفاءات المهاجرة، فى بلدان المهجر، تخصص حصيلتها لدعم بلدان الأصل أو بتعويضات تقدمها بلدان الغرب المصنعة، مالاً أو خبرة بشرية، للبلدان التى تستنزف كفاءاتها عوضاً عن ثروتها البشرية المستلبة. ولكن تمخض الجدل الأكاديمى، والقرارات والتوصيات فى المحافل الدولية فى هذا المجال عن لا شىء تقريباً، تعبيرا عن هيكل القوة العالمى الذى تهيمن عليه البلدان الغربية المصنعة وهى المستفيد الأساس من هجرة الكفاءات. ولذا لن ننشغل بهذه الأمور هنا.

    غير أن الهزيمة السابقة فى هذه المعركة لا يجب فى تقديرنا أن تقعد البلدان المتخلفة عن متابعة المطالبة بحقوقها الثابتة فى هذا الميدان، ومواصلة النضال من أجل نظام عالمى أكثر عدلاً فيما يتصل بهجرة الكفاءات وبباقى مجالات التبادل الدولى بوجه عام.

    يبقى لنا بعض الأمور التى تقع فى نطاق محاولة بلدان الأصل تحقيق أكبر استفادة ممكنة من كفاءاتها المقيمة بالخارج تعويضاً، ولو بسيطاً، عن الخسارة الأساسية لفقدهم. ويقترح فى ذلك تقوية الأواصر بين الكفاءات المهاجرة وأوطانها بأشكال مختلفة (نشرات دورية، تسهيلات للزيارة والإقامة، دعم ثقافة بلدان الأصل فى المهجر … الخ). ويمكن، إضافة إلى ذلك، إنشاء برامج تحقق الاستفادة من خبرة هذه الكفاءات إما فى صورة استشارات أو زيارات عمل محددة وغيره. وتتيح التقانات الحديثة فـى المعلوماتيـة والاتصال أشكالاً مبتكرة مـن نقل خبرة الكفاءات العربية المهاجرة فى خدمة جهود التنمية فى البلدان العربية عن طريق مواقع على شبكة الإنترنت مثلاً (هنالك تجربة فلسطينية رائدة فى هذا المجال هى شبكة PALESTA).

    وتقتضى الاستفادة القصوى فى هذا الميدان أن تدعم البلدان العربية تنظيمات للكفاءات المهاجرة تكون شكلاً مؤسسياً لعلاقة ذات اتجاهين تقوم بين المهاجرين ووطنهم.

    ولدينا مثالين على هذه التنظيمات، الأول هو "رابطة الأساتذة الأمريكيين من أصل مصرى" التى أنشئت عام 1963 ولكن تزايد نشاطها ابتداء من العام 1974، والثانى هو "اتحاد خريجى الجامعات الأمريكية من أصل عربى" والذى تأسس عام 1967. ويلاحظ ارتباط تأسيس "الاتحاد" وتنشيط "الرابطة" بحربى 1967 و1973، مما قد يكون له مغزى واضح.

    وقد تمثل نشاط "الرابطة" فى عقد مؤتمر كل سنتين تحت رعاية رئيس الجمهورية منذ عام 1974، وتنظيم برنامج "الأستاذ الزائر" الذى يقضى بموجبه أعضاء الرابطة إجازاتهم الأكاديمية فى مصر. وصندوق "التعلم والتعليم" الذى مول شراء بعض الأجزاء الصغيرة اللازمة للمعدات العلمية بالجامعات ومراكز البحث المطلوبة. ومساعدة الطلاب المصريين الذين يصلون حديثاً إلى الولايات المتحدة (إبراهيم عويس، 1981، 238-239).

    أما "الاتحاد" فقد تأسس لخدمة الأهداف الآتية: "إقامة صلات بين المهنيين الأمريكيين من أصل عربى، وتعزيز التعاون فى مهنهم المختلفة، والاستفادة من الخبرة المهنية للأمريكيين من أصل عربى فى خدمة مجتمعاتهم، وإنتاج ونشر معلومات دقيقة علمية وثقافية وتربوية عن الوطن العربى، والمساعدة فى تنمية الوطن العربى بتقديم الخدمات المهنية والخبرة الفنية لأعضائه". كما يقيم "الاتحاد" مؤتمراً سنوياً ، وأنشأ معهداً للدراسات العربية (سميح فرسون، 1981، 250-251).

    ولا ريب أن مثل هذه الأنشطة مفيدة وجديرة بالتشجيع والدعم، ولكن لوضعها فى سياق تقليل الخسائر المترتبة على هجرة الكفاءات، نوجه النظر إلى الأمور الآتية:

    1. إن بعض الأنشطة التى تقوم بها تنظيمات الكفاءات العربية المهاجرة هى أنشطة عادية لكفاءات أمريكية أو أوروبية لا علاقة- جذور- لها بالمنطقة، وإنما تسعى لأن يكون لها بعد علمى فى بلدان العالم الثالث. إن حضور المؤتمرات أو قضاء الإجازات الدراسية بالمنطقة هى ميزات للأمريكى من أصل عربى مثلاً، يتمناها زميله العالم الأمريكى المهتم بالمنطقة، ويحصل عليها هو الآخر بسبب اشتداد تبعية البلدان العربية لمراكز الغرب المصنع فى سياق العولمة.

    2. إن أسلوب تعامل السلطات فـى البلدان العربية مع بعض هذه الأنشطة قد أدى إلـى استفزاز الكفاءات "القاعدة" فى الأوطان وساهم أحياناً فى حفزها، وحفز الأجيال الأصغر بوجه خاص، على الهجرة، مصدر الشهرة والثراء والعودة المنتصرة إلى الوطن القديم. والحق أن الافتخار الزائد عن الحد بالكفاءات العربية التى نجحت فى بلدان الغرب يعبر عن افتقاد للثقة بالنفس والبحث عن تعويض (هش) فى اعتراف الغرب ببعضنا الذين هاجروا إليه، ربما له ما يبرره لكنه مضر. ولاشك لدينا فى أن هذا الموقف هو أحد العوامل الأساسية فى حفز الكفاءات العربية على الهجرة.

    3. إن التكييف الحقيقى لمدى تعويض بعض أنشطة الكفاءات العربية المهاجرة لبلدان المنشأ العربية يتوقف على مدى العطاء الذى تقدمه الكفاءة المهاجرة خدمة للوطن. فإذا كان العربى المهاجر، على سبيل المثال، يقبل، أو- أسوأ- يشترط المعاملة، المالية وغيرها، كالأمريكى القادم فى استشارة لبلد عربى، فبأى منطق يمكن اعتبار هذا خدمة للوطن الأصلى؟ صحيح أن ابن البلد يمكن أن يكون أقدر على تقديم المشورة الأنسب، ولكن إذا لم يتم هذا فى إطار خدمة خاصة تقدم للوطن، بدرجة أو بأخرى، فإن هذه القدرة الأكبر لا يجب فهمها إلا على أنها ميزة لخبير على زملائه من الخبراء الأجانب الآخرين، وليست من قبيل استفادة لبلد الأصل فى مجال التعويض عن الهجرة.

    4. فى النهاية يمكن أن نتساءل: كيف نقارن أنشطة الكفاءات العربية بالغرب، بما تقوم به الجاليات اليهودية فى الولايات المتحدة مثلاً، لدعم إسرائيل؟ وفى هذا الصدد علينا أن نتذكر أن بعض الكفاءات اليهودية لم ير إسرائيل، وغالبيتهـم الساحقة لم تنشأ بها، أو تتعلم على حساب فقرائها. إن هذه المقارنة تشير، فى تقديرنا، إلى ما يمكن اعتباره مساهمة محسوسة من الكفاءات العربية المهاجرة فى تعويض بلدان الأصل عن خسارتها لهجرهم لها، وهو المساهمة فى جهود الإنماء بالوطن العربـى نقداً و/أو عيناً، أى أن تكون المساهمة بالمال و/أو الخبرة المجانية. ويمكن مناقشة أسس لتحديد هـذه المساهمات. دون ذلك، فإن الفائدة المتحققة من الكفاءات العربية المهاجرة تكون، فى تقديرنا، هامشية، خاصة تحت ظروف التردى العربى التى نعيشها، ولا تثير حتى شبهة التعويض عن نزيف الكفاءات.

    ولا نريد هنا أن نترك انطباعاً بأننا نلقى اللوم كله على الكفاءات العربية المهاجرة فى عدم تعويض أوطانها الأصلية عن هجرتهم. فلاشك أن البلدان العربية ذاتها قاصرة عن تعبئة إمكانات الكفاءات العربية المهاجرة خدمة للوطن الأم. ومـن أسف أننا مضطرون، مرة أخرى، لمقارنة الجهود العربية، فى هذا المجال، بما تقوم به إسرائيل وسط الجاليات اليهودية فى بلدان الغرب.

    أما فى مجال الحد من هجرة الكفاءات فيقترح أحياناً إجراءات إدارية مقيدة للهجرة تتضمن منع إصدار وثائق السفر أو تجديدها، أو التضييق فى هذا المجال، بالنسبة للكفاءات المقيمة بالداخل أو تلك التى تدرس أو تعمل فى الخارج وترفض العودة، أو تحديد السفر إلى الخارج، أو اشتراط مدد خدمة معينة قبل السماح به، ومحاولة سد المنافذ التى تساعد على توثيق الصلة بين مؤهلات الكفاءات المحلية وسوق العمل الدولية (مثل منع الاختبارات المهنية الغربية أو التضييق على العلاقات المهنية).

    وهذه الإجراءات غير مقبولة مبدئياً لأنها تضيق على الحريات. ولكنها، أيضاً، غير فعالة فى ظروف البلدان النامية. فهى لا تتطرق لجوهر المشكلة، وإنما تترك آلياتها الأساسية تعمل بكفاءة بينما تحاول بتصرف إدارى أن تعيـق فعل قوى اجتماعية-اقتصادية عاتية مثل تلك التى قدمتها لنا مدرسة الاقتصاد-السياسى فى تفسير هجرة الكفاءات. والخبرة فى بلدان العالم الثالث أن الإجراءات الإدارية المقيدة لا تنجح فى القضاء على الهجرة أو الحد منها، جوهرياً، إلا بنظام دكتاتورى ممعن فى القمع. أما فى غالبية الأحوال، فإن مثل هذه الإجراءات تحفز الراغبين فى الهجرة، والموظفين القائمين على تنظيمها، إلى ابتكار سبل للتغلب على الإجراءات- تفتح الباب واسعاً لانتشار صنوف من الفساد. وغالباً ما يوفق إلى ذلك الأقوى والأغنى من الراغبين فى الهجرة. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يقدر نجاح الإجراءات المقيدة فى الحد من الهجرة، بينما مازالت القوى الاجتماعية-الاقتصادية الدافعة إليها فاعلة، بقدر ما يكون رد الفعل إزاء هذه الإجراءات متسماً بالمقت وعدم الرضاء مما يساهم فى تدهور الحالة النفسية للكفاءات التى تسعى الإجراءات لإبقائها وتقلل من إحساسها بالانتماء، ومن ثم، من إنتاجيتها.

    ولكن يقترح، فى إطار المدرسة الفردية فى تفسير هجرة الكفاءات، بعض سياسات الحوافز الإيجابية التى تستهدف الحد من الهجرة. وطبيعى أن هذه الحوافز تقوم أساساً، على نقيض الأسباب التى تقدمها تلك المدرسة، بحيث تصبح الهجرة أقل إغراءً. وفى هذا الصدد يقترح العمل على تحسين مستوى دخل ومعيشة الكفاءات ببلدان الأصل وتطوير إمكانات البحث وتوفير حرية الفكر والعمل العلمى.

    ومثل هذه المقترحات تكاد تعامل الكفاءات المهاجرة كما لو كانت فصيلة نادرة من طيور الزينة يقتضى اقتناؤها توافر قفص ذهبى، دون اعتبار لإمكانية تحقق الشروط المطلوبة أو الدور المجتمعى لهذه الكفاءات. والواقع أن الشروط التى توضع، من المدرسة الفردية، لعودة الكفاءات المهاجرة هى شروط تكاد تكون مستحيلة فى ظروف البلدان المتخلفة. وإذا افترضنا جدلاً إمكانية تحققها، فإن هذا الافتراض ينفى الفائدة المجتمعية المبتغاة من العودة.

    فلا يتوقع أن يكون لرفع دخول ومستوى معيشة الكفاءات فى البلدان النامية تأثير كبير على الهجرة إلا إذا ضاقت الشقة فى هذا المجال بين بلد الأصل وبلاد المهجر بدرجة كافية لأن تصبح الهجرة قراراً غير رشيد، اقتصادياً. ومثل هذا الهدف صعب تحقيقه، إن لم يكن مستحيلاً. فالفارق الشاسع فى الموارد بين البلدان النامية والغرب المصنع يمنع هذا. كما أن جزءاً أساسياً من الفارق فى مستوى المعيشة يرجع إلى تخلف بنى مؤسسية وهيكلية فى الاقتصادات النامية لا يمكن التغلب عليها بالنسبة لفئة الكفاءات وحدها، بينما هى متاحة للجميع تقريباً فى الغرب الرأسمالى. وإذا قبلنا أن رفع مستوى دخول الكفاءات لدرجة معينة فى بلدان الأصل قد يكفى فى حد ذاته لاجتذابها للبقاء أو العودة، فإن انعكاس ذلك على زيادة سوء توزيع الدخل فى البلدان النامية هو بالتأكيد أثر غير مرغوب فيه فى مجتمعات لا تتسم بالعدالة ويزداد التفاوت فيها باطراد.

    ولا جدال أن بعض البلدان العربية تمتلك الآن من الإمكانات المالية ما يمكنها من اجتذاب بعض الكفاءات العربية المهاجرة. وهذا حادث فعلاً فى بعض البلدان النفطية، بل إن سوق العمل بها يجذب كفاءات، عربية وغير عربية، من بلدان الغرب المصنعة ذاتها. ولكن هذه الهجرة المعاكسة تحدث عادة لفترة محدودة تعود بعدها الكفاءات لبلدانها المتبناه، ويكون الغرض الأساسى من الهجرة المؤقتة هذه هو التكوين المالى أو اجتناء مزايا أسرية مثل عيش الأبناء –وبوجه خاص البنات- لفترة فى مجتمعات قريبة ثقافياً من بلدان الأصل، وليس المساهمة فى مشروع قومى للنهضة تحت الشروط التى نشير إليها بعد قليل.

    أما عن تطوير إمكانات البحث، وهو أمر لاشك مطلوب بإلحاح، فإن التوصل لمستوى يرغِّب الكفاءات المهاجرة فى العودة يقتضى إنجازاً هائلاً على مستوى البناء المؤسسى وإنضاج البيئة العلمية فى البلدان المتخلفة.

    وهنا يتبدى خواء تفسير المدرسة الفردية لهجرة الكفاءات، واقتراحاتها للحد من الهجرة، كاملاً. فالغرض الأساسى، فى نظرنا، لعودة الكفاءات المهاجرة هو المساهمة الفاعلة فى تنمية أوطانها الأصلية. والتنمية فى بلدان العالم الثالث عملية نضال مستمر تحتاج لمن يشنّها. ولكن المطلوب منا هنا أن تكسب الحرب فى مجال البحث العلمى حتى يأتى الجنرالات لقيادتها! أما التصور المنطقى فهو أن تكريس الأسلوب العلمى وبناء المؤسسات البحثية هو الدور النضالى الجوهرى المطروح على الكفاءات المهاجرة، إن عادت، فى غمار عملية التنمية، وإذا لم يعودوا لذلك، فلماذا يعودون إذن؟

    وتنطبق الحجة نفسها، ولكن بقوة أكبر، على مطلب توفير حرية الفكر والعمل العلمى. ففى ساحة النضال هذه يسقط فى بلداننا الكثيرون، وربما لابد أن يسقط كثيرون آخرون، فمن أين سيأتون؟

    وهنا يتبين مأزق المدرسة الفردية فى هجرة الكفاءات إذ أنها بتجاهلها للخصائص الجوهرية لنظام الاقتصاد-السياسى للعالم كله ولموقع البلدان المتخلفة فيه، تغفل أنه يعمل على منع الكفاءات، باستثناء طليعة ملتزمة، من المشاركة بفاعلية فى عملية تنمية مجتمعاتها، لكى يوردها إلى مركز النظام الرأسمالى. بهذا التجاهل، تنتهى المدرسة الفردية بوضع شروط شبه مستحيلة لعودة الكفاءات المهاجرة. ويعود هذا الأمر فى الجوهر إلى أن هذه المدرسة تكرس، بموقفها النظرى، نظام الاقتصاد الرأسمالى الدولى المستغل لشعوب العالم الثالث.

    وللأسف أن هذا أيضاً مأزق الكفاءات المهاجرة ذاتها. فالرغبة "العاطفية" فى مساعدة بلدان الأصل يحول دونها الانتماء "الموضوعى" لنظام يرمى إلى استغلال هذه البلدان وإبقائها، لذلك، تابعة متخلفة.

    ولكن، هل تعنى المناقشة السابقة أنه ليس هناك من حل لنزيف الكفاءات؟ فى تقديرنا أنه لا يوجد حل ناجع فى الأجل القصير، وإنما يمكن النضال من أجل حل فى إطار عملية نهوض عربى شامل. ويستهدف هذا النضال تعطيل الآليات الأساسية التى تؤدى لنشوء ظاهرة هجرة الكفاءات بمعنى العمل على كسر طوق التبعية العضوية للغرب الرأسمالى بما فى ذلك الانسلاخ عن السوق الدولية للكفاءات، وتخليق دور فعال للكفاءات العربية فى تطوير القدرة الإنتاجية المحلية للوفاء باحتياجات الناس فى المجتمعات العربية، وتدعيم ذلك الاتجاه بتحويل نظام التعليم لإنتاج الكفاءات والمهارات المتوائمة مـع ذلك الهدف، وترسيخ نسق قيـم يكافئ المساهمة فى تحقيق الأهداف المجتمعية بدلاً من التراكم المادى الفردى، على أن يتم كل ذلك فى إطار مشاركة شعبية فاعلة (حكم صالح) وتعميق الانتماء الحضارى العربى. وهذه كلها مواصفات جزئية لمشروع قومى للنهضة.

    يعنى ذلك فى ميدان اكتساب المعرفة، وبوجه خاص التعليم العالى، برنامجاً يقوم على مكونات مختلفة منها: فك الارتباط مع المؤهلات والمعايير المهنية الأجنبية، والتركيز على المعارف والتقانات المتوائمة مع الاحتياجات المجتمعية العربية، وتطوير الدراسات العليا ونشاط البحث والتطوير بالوطن، واستخدام اللغة القومية فى التعليم والبحث- دون إضرار بإمكانات متابعة التراث العلمى العالمى- كمكون من توجه شامل لإعلاء شأن الثقافة العربية.

    ولا يعنى هذا التصور إغفال المؤثرات الفردية فى عملية هجرة الكفاءات، ولكنه يعنى تحوير هذه المؤثرات الفردية من السعى لتحقيق أقصى رفاه مادى خاص إلى إبراز مكون مهم للرفاه المعنوى يحقق، بلغة الاقتصاد، دخلاً نفسانياً psychic income ويقوم على المشاركة فى مشروع قومى للتنمية يحمل معه وعداً بمستقبل أفضل للمجتمع والفرد. بعبارة أخرى، ربط الرفاه الفردى بالرفاه المجتمعى بدلاً من تغليب الأول على الثانى.

    إن المشاركة الفاعلة فى مشروع قومى للنهضة ترتب للكفاءات دوراً مجتمعياً تدل الخبرة التاريخية على أهميته الحاسمة فى بقائها بمجتمعاتها، أو العودة إليها. إن هذا الدور يجعل بعضهم على الأقل على استعداد لتحمـل المشاق، التى تقدمها المدرسة الفردية كأسباب للهجرة، عن طيب خاطر، فى سبيل المساهمة فى مشروع جاد لنهضة الوطن بمشاركة فاعلة من أبنائه ولمصلحتهم. وهذا هو محور الشعور بالانتماء والاستعداد للتضحية بكثير من الشروط البرجوازية لعدم هجرة الكفاءات أو العودة للوطن.

    وفى الخبرة العالمية يبرز مثال الصين الشعبية بوضوح الموقف المشار إليه أعلاه. فقد عاد إلى الصين فى النصف الأول من الخمسينيات عدد كبير من العلماء المؤهلين تأهيلاً عالياً والذين كانوا قد غادروا البلاد قبل قيام جمهورية الصين الشعبية نتيجة لتردى الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية. عاد هؤلاء العلماء من الولايات المتحدة، أساساً، من ظروف عمل ومعيشة ومؤسسة بحثية هى من الأكثر تقدماً فى بلدان الغرب الرأسمالى، وبعد أن كان بعضهم قد استقر لسنوات فى بلد المهجر. لقد عاد هؤلاء العلماء، ولا ريب، إلى ظروف عمل ومعيشة قاسية، خاصة بالمقارنة بما خبروه فى الغرب. ولكن كان همهم المساهمة فى بناء مؤسسة علمية بحثية، من البداية تقريباً، فى إطار مشروع سياسى اعتبروه جاداً لبناء الوطن وقدموا للصين الشعبية إنجازات ضخمة فى بيئة صعبة وخلال زمن قصير.

    كذلك قامت موجة أخرى من عودة الكفاءات المهاجرة إلى الصين منذ منتصف السبعينيات مع بدء انفتاحها على العالم الخارجى والعمل على تطوير جذرى الاقتصاد والمجتمع، فى منظور رأسمالى هذه المرة. ولكن بجدية واجتهاد أديا إلى نتائج مبهرة- خلافاً للانفتاح الذى أورث الخيبة فى كثير من البلدان العربية. ولا يتوقف الأمر فى حالة الصين على عودة كفاءات مهاجرة، فالكفاءات الصينية الباقية فى الخارج تقيم علاقات غاية فى القوة مع الوطن، وليست حالة العالِم الأمريكى، من أصل صينى، الذى اتهمته الولايات المتحدة الأمريكية بتهريب بعض من أدق أسرار التسليح النووى الأمريكى للصين ببعيدة.

    ولقد كانت لنا، فى الوطن العربى، خبرة حسنة مماثلة، وإن كانت قصيرة ومحدودة. فلقد اتسمت فترة الخمسينيات الأخيرة والستينيات الأولى بمحاولة جادة، وإن كانت متواضعة، لبناء مؤسسة بحثية وعلمية فى مصر وساهمت فيها الكفاءات المصرية بإخلاص وتفان رغم صعوبة الظروف المحيطة بها. ولكن هذا الانتماء ما لبث أن انقلب إلى تدن فى الروح المعنوية فى نهاية الستينيات وأفضى إلى هجرة واسعة فى السبعينيات. ومعروف أن هذه التغيرات فى روحية الكفاءات المصرية قد ترافقت مع تطورات اقتصادية-سياسية مهمة فى مصر.

    وليست مصر وحدها فى هذا المجال، ففى التاريخ العربى الحديث أمثلة أخرى لبلدان عربية أغدقت مزايا واسعة على الكفاءات العربية المهاجرة والراغبة فـى العودة لخدمة الوطن الكبير فى أحد هذه الأقطار. وربما لاقت هذه الدعوات نجاحاً أولياً. لكنها لم تتواصل فى نمط نضج متصاعد. ويعود هذا، فى تقديرنا، إلى افتقار المشروع السياسى فى هذه البلدان لمقومات برنامج قومى للنهضة.

    واستخلاصنا الأساسى هو أن عودة الكفاءات لا تتم إلا فى إطار التحامها عضوياً بمشروع قومى للتنمية. ولن يكون هذا، بالتأكيد، تحت ظروف مماثلة لتلك التى يعملون ويعيشون تحتها فى الدول الغربية المصنعة- هذا مستحيل. ولن تكون العودة إلا تحت ظروف عمل ومعيشة أقسى من تلك السائدة فى الغرب، ولكن ستقبل بها الكفاءات التى تعود عن رضى رغبة فى النضال نحو هدف يحقق انتمائهم الوطنى، ويقدم لهم ولأبنائهم مستقبلاً أفضل يشاركون فى صنعه وفى جنى خيراته.

    ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن تغيير الأوضاع فى اتجاه مشروع قومى للنهضة، والحد من نزيف الكفاءات كنتيجة فرعية، هى عملية ديناميكية تستغرق زمناً وتتطلب، بحد ذاتها، دوراً جوهرياً للكفاءات الوطنية. وفى هذا الصدد يمكن أن نفرق بين ثلاث فئات. فأولاً، هناك شريحة طليعة المثقفين التى ترتضى فى الأساس ألا تهجر الوطن، وإن قضى بعض عناصرها فترة فى الخارج، وعليها العبء الأكبر فى تحريك التغيير الاجتماعى-الاقتصادى والسياسى فى الوطن عن طريق العمل الفكرى والعلمى والسياسى. وجلى أن الطليعة هذه تستمد بعض من خيرة عناصرها من بين الأساتذة والباحثين فى مؤسسات التعليم العالى والبحث والتطوير. وينتمى إلى هذه الطليعة قلة فرضت عليها ظروف معينة البقاء فى الخارج إلى حين، ولكنها ظلت غير منفصلة عن العمل الوطنى.

    وتوجد داخل فئة الكفاءات المهاجرة بالخارج شريحة ثانية، يمكن أن يدفعها الانتماء الوطنى، إذا استثير، إلى العودة للمشاركة فى مشروع قومى للنهضة، ولو تحت ظروف صعبة كما أسلفنا. وتقديرنا أن الحجم النسبى لهذه الشريحة يزداد كلما زادت مصداقية المشروع القومى للنهضة لدى الكفاءات المهاجرة. وهنا تنشأ علاقة جدلية بين حجم الكفاءات المهاجرة العائدة، والتى ينضم جزء منها لطليعة المثقفين، وبين مدى حيوية المشروع القومى للنهضة بما يؤدى إلى أثر تصاعدى على عودة الكفاءات كلما تحققت إنجازات نهضوية قومية. هذه الشريحة تكون أيضاً هى الأكثر استعداداً للمساهمة فى جهود الإنماء فى الوطن، تطوعاً، أثناء بقائها فى الخارج.

    ونحن لا ندخل فى عداد هذه الشريحة الثانية من يعودون لاغتنام فرصة ربح مادى أو مهنى، نشأت بالأساس فى بلدانهم الغربية المتبناه، وفى إطار انتمائهم لنظام الاقتصاد الرأسمالى العالمى الذى أفرز هجرتهم للغرب فى المقام الأول، ولقد حدث هذا جزئياً فى مصر منذ السبعينيات. وينتمى هؤلاء العائدون، فى نظرنا، إلى حظيرة الغربيين الذين دخلوا مصر فى موجات متلاحقة للمساهمة فى إعادة إدماج مصر فى النظام الرأسمالى العالمى. غير أن لهؤلاء ميزة (خاصة) على أقرانهم منبعها أنهم نشأوا فى مصر، يوظفونها لمصلحتهم مما يجعلهم أكثر كفاءة فى تحقيق الغرض النهائى. ومن ثم، يمكن أن يكون مثل هؤلاء العائدين أشد ضرراً من أقران غربيين لهم.

    وفى النهاية، هناك دائماً إمكانية لأن تقطع شريحة ثالثة من الكفاءات المهاجرة صلتها ببلد الأصل، إلا فى حدود بعض العلاقات الفردية. وهذه يمكن، بل يجب، أن تُنسى فى معالجة هجرة الكفاءات.

    ولنلخص إذن، فنقول: أنه لا حل جوهرى لنزيف الكفاءات إلا فى إطار مشروع قومى للنهضة. مثل هذا المشروع يقوم على أكتاف طليعة للمثقفين، ويسعى لتعظيم العائد من الكفاءات المهاجرة التى تعود انتماءً، ولا يفسح مجالاً لمن يعودون لخدمة مصالح أجنبية. أما بدون مشروع قومى للنهضة، فلا نتوقع إمكانية عودة محسوسة للكفاءات من الخارج. ولكن إذا لم يقم مشروع قومى للنهضة فى الوطن العربى فلا يجب أن تقلقنا مسألة الكفاءات العربية المهاجرة، إذ سيكون وجودنا ذاته مهدداً!


    --------------------------------------------------------------------------------

    مراجع
    إبراهيم عويس (1981)
    هجرة المصريين، فى: ندوة هجرة الكفاءات العربية، نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغربى آسيا، بيروت، 4-8 شباط/ فبراير 1985: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

    ألان فيشر (1981)
    الكفاءات العلمية العربية فى الولايات المتحدة، فى: ندوة هجرة الكفاءات العربية، نظمتها
    لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغربى آسيا، بيروت، 4-8 شباط/ فبراير 1985:
    مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

    أنطوان زحلان (1999)
    العرب وتحديات العلم والتقانة، تقدم من دون تغيير؛ مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، مارس.

    --------- (1981)
    مشكلة هجرة الكفاءات، فى: ندوة هجرة الكفاءات العربية، نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغربى آسيا، بيروت، 4-8 شباط/ فبراير 1985: مركز دراسات الوحدة
    العربية، بيروت.

    أوسكار غيش (1981)
    نظرة جديدة إلى هجرة الكفاءات مع إشارة خاصة إلى مهنة الطب، فى: ندوة هجرة الكفاءات العربية، نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغربى آسيا، بيروت، 4-8 شباط/ فبراير 1985: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

    سميح فرسون (1981)
    المهنيون الأمريكيون من أصل عربى وهجرة الكفاءات، فى: ندوة هجرة الكفاءات العربية، نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغربى آسيا، بيروت، 4-8 شباط/ فبراير 1985:
    مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

    محسن خضر (2000)
    من فجوات العدالة فى التعليم، الدار المصرية اللبنانية، يناير.

    محمد أمين التوم (1981)
    السودان: دور النظام التعليمى فى هجرة الكفاءات العالية، فى: ندوة هجرة الكفاءات العربية، نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغربى آسيا، بيروت، 4-8 شباط/ فبراير 1985:
    مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

    بالإنجليزية

    Bhagwati, Jagdish (1979)
    International Migration of the Highly Skilled: Economics, Ethics and Taxes, Third World Quarterly, vol. 1 No. 3, July, pp. 17-21.

    ----------------------(1976a)
    The Brain Drain Tax Proposal and the Issues, in: Bhagwati and Partington, eds., Taxing the Brain Drain, vol. 1: A Proposal, Amsterdam: North Holland Pub. Co.; New York: American Elsevier Publishing.

    --------------------- (1976b)
    The International Brain Drain and Taxation: A Survey of the Issues, in: Bhagwati and Partington, eds., Taxing the Brain Drain, vol. 2: Theory and Empirical Analysis.

    Bhagwati, J. and Parington, M. (eds.) (1976)
    Taxing the Brain Drain, 2 vols, Amsterdam: North Holland Pub. Co.; New York: American Elsevier Publishing.

    Glaser, A. and G. C. Habers, (1978)
    The Brain Drain: Emigration and Return: A UNITAR Study, Oxford: Pergamon Press.

    Stahl, C. W (1982)
    International Labour Migration and International Development, International Migration for Employment working paper, Mig, Wp 1 (Geneva: International Labour Office, p.50.)


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] أُشير إلى الأجزاء التى يعتبرها الكاتب ذات دلالة خاصة لتطوير التعليم العالى فى البلدان العربية بتظليل العبارات المعنية.

    [2] ونعنى بهذا أولاً، أنه لو لم توجد إمكانية الهجرة للعمل فى الخارج، بظروف عمل ومعيشة مغرية، لما استمر ذلك الطبيب فى قيادة سيارة تاكسى طويلاً. وربما كان قد اختار فى النهاية أن يتحول إلى ممارسة مهنته، أو فرض عليه المجتمع ذلك بشكل ما، ليس بالضرورة فى العاصمة، ولكن علـى أطرافها أو بالمناطق النائية حيث الحاجة إليه أكبر، وفى هذا فائدة مزدوجة تمنعها فرصة الهجرة، بل وربما لو لم توجد إمكانية الهجرة لما اختار هذا الطبيب قيادة التاكسى التى قد تكون فى الأساس مجرد انتظار للحظة الهجرة. وثانياً، تمتد الآثار السالبة لإمكانية الهجرة إلى أبعد من ذلك فتؤثر على نظام التعليم والتأهيل فى المجتمع وعلاقته بحاجة بلد الأصل من فئات الكفاءة المختلفة. إذ أن المزايا المتوقعة للهجرة لفئة كفاءة معينة تدفع على التزاحم للالتحاق بقنوات التعليم والتدريب المؤهلة لها طمعاً فى الحصول على فرصة للعمل بالخارج مما يحرف نسق التعليم فى اتجاه احتياجات خارجية بدلاً من الحاجة الداخلية. وقد يترتب على هذا فائض من مهن معينة، إذا كان الخريجون من النظام التعليمى أكثر من حاجة الطلب المحلى زائداً الهجرة. وقد يحدث العكس إذا كان العرض من الكفاءة أقل من مجموع الطلب المحلى والهجرة. وفى غياب تنظيم مقيد للهجرة، فإن الذى يعانى هو الاقتصاد المحلى إذ تكون للهجرة إلى الخارج أفضلية عن العمل ببلد الأصل.

  7. #7
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    .....
    المشاركات
    156

    افتراضي

    ثآآنكس ع البحث

    يزآج الله خيـــر

  8. #8
    عضو جديد الصورة الرمزية الحمودية
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    35

    افتراضي

    ثانكس مشكوووورين والله زين يوم أنقذتوني

  9. #9
    مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    |[ الاماآارت ~ أبوظبـي ]|
    المشاركات
    1,217

    افتراضي

    للــرفــــع

    ..

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية