السلام علييكم والررحمه


وهــذا البحث


أحمد أمين

1886- 7 195

يقول طه حسين: "لقد أهدى احمد أمين إلى العالم الحديث بتأليف فجر الإسلام وضحاه وظهره كنزاً من أقوم الكنور وأعظمها حظاً من الغنى واقدرها على البقاء ومطاولة الزمان." في حياتي يسعى احمد أمين لتقديم صورة صادقة عن نموه منذ مراحل الطفولة الباكرة حتى أواخر عمره ، موضحاً كيفية تكون الشخصية التي قدمت للعالم العربي فجر الإسلام . فقد كان من المعتقدين بدور البيئة في خلق الشخصية ، إذ يقول في بداية سيرته : "كل إنسان - إلى حد كبير - نتيجة لجميع ما ورثه عن آبائه وما اكتسبه من بيئته التي أحاطت به ." وهو يذكر في هذا السياق عوامل عدة منها تأثير أسرته التي ترعرع في ظلالها عليه ، والحارة التي ترعرع فيها ، الكتاب والأزهر . ثم يصف عمله الجامعي كاستاذاً بكلية الآداب وعميداً لها.

في الصفحات التالية ، يصف احمد أمين تجاربه الأولى مع أسرته ، ويوضح كيف أثرت في شخصيته لاحقاً. فالقسوة في معاملته كطفل تدفعه للجدية، ولعدم القدرة على مشاركة الآخرين الأفراح، بل انه يبات جدياً اقرب للكآبة في طبعه طوال العمر. هو يصف أيضا مساعيه لتوسيع حدود تعليمه التراثي في الأزهر عن طريق تعلم اللغة الإنجليزية،وتأثير القراءة بأكثر من لغة على أسلوبه في التفكير. بل انه يقدم رؤية خاصة للغة العربية وكيفية استخدام المحدثين لها ، إذ يدعوا للغة بسيطة يقدر القاريء العادي على فهمها. سيجد القاريء هنا أيضا وصفاً لزواج احمد أمين وتحليلاً لمزايا وشرور العلاقة الزوجية يتميز بصراحة يندر أن نعثر عليها في أدب المذكرات العربي المعاصر .



حياتي[1]



ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مر علي وعلى آبائي من أحداث. فالمادة لا تنعدم وكذلك المعاني. قد يموت الطير وتموت الحشرات والهوام ، ولكنها تتحلل في تراب الأرض فتغذي النبات والأشجار . قد يتحول النبات والأشجار إلى فحم ، ويتحول الفحم إلى نار، وتتحول النار إلى غاز ، ولكن لا شيء من ذلك ينعدم . حتى أشعة الشمس التي تكون الغابات وتنمي الأشجار تُختزن في الظلام، فإذا سُلطت عليها النار تحولت إلى ضوء وحرارة وعادت إلى سيرتها الأولى.

وكذلك الشأن في العواطف والمشاعر والأفكار والحيلة ، تبقى أبدا ، وتعمل عملها أبدا. فكل ما يلقاه الإنسان من يوم ولادته ، وكل ما يلقاه أثناء حياته ، يستقر في قرارة نفسه ، ويسكن في أعماق حسه، سواء في ذلك ما وعى وما لم يعي، وما ذكر وما نسى ، وما لذ وما آلم. فنبحة الكلب يسمعها ، وشعلة النار يراها ، وزمجرة الأب أو الأم يتلقاها ، وأحداث السرور والألم تتعاقب عليه. كل ذلك يتراكم ويتجمع ، ويختلط ويمتزج ويتفاعل، ثم يكون هذا المزيج وهذا التفاعل أساسا لكل ما يصدر عن الإنسان من أعمال نبيلة وخسيسة-وكل ذلك أيضا هو السبب في أن يصير الإنسان عظيماً أو حقيراً ، قيماً أو تافهاً. فكل ما لقينا من أحداث في الحياة ، وكل خبرتنا وتجاربنا ، وكل ما تلقته حواسنا أو دار في خلدنا هو العامل الأكبر في تكوين شخصياتنا - فان رأيت مكتئباً بالحياة ساخطاً عليها متبرماً بها ، أو مبتهجاً بالحياة راضياً عنها متفتحاً قلبه لها ، أو رأيت شجاعاً مغامراً كبير القلب واسع النفس ، أو جباناً ذليلاً خاملاً وضيعاً ضيق النفس ، أو نحو ذلك ، فابحث عن سلسلة حياته من يوم أن تكون في ظهور آبائه - بل قد تحدث الحادثة لا يأبه الإنسان بها وتمر أمام عينيه مر البرق، أو يسمع الكلمة العابرة لا يقف عندها طويلاً ، أو يقرأ جملة في كتاب قراءة خاطفة ، فتسكن هذه كلها في نفسه وتختبيء في عالمه اللاشعوري ، ثم تتحرك في لحظة من اللحظات لسبب من الأسباب فتكون باعثاً على عمل كبير أو مصدراً لعمل خطير . وكل إنسان - إلى حد كبير - نتيجة لجميع ما ورثه عن آبائه ، وما اكتسبه من بيئته التي أحاطت به .

ولو ورث أي إنسان ما ورثت ، وعاش في بيئة كالتي عشت، لكان إياي أو ما يقرب مني جداً.

لقد عمل في تكويني إلى حد كبير ما ورثت عن آبائي ، والحياة الاقتصادية التي تسود بيتنا ، والدين الذي يسيطر علينا ، واللغة التي نتكلم بها ، وأدبنا الشعبي الذي كان يروي لنا ونوع التربية الذي كان مرسوماً في ذهن أبوي ولو لم يستطيعا التعبير عنه ورسم حدوده ونحو ذلك . فانا لم اصنع نفسي ولكن صنعها الله عن طريق ما سنه من قوانين الوراثة والبيئة .


كانت أول مدرسة تعلمت فيها أهم دروسي في الحياة بيتي. وقد بني أبي - بعد أن تحسنت حاله -بيتاً مستقلاً في الحارة التي يسكنها هو وأخوه ، يتكون من دورين غير الأرضي. ففي الدار الأرضي منظرة للضيوف وكل دور به ثلاث غرف وتوابعها.

وطابع البيت كان البساطة والنظافة . فأثاث أكثر الحجر حصير فرشت عليه سجادة ، وإذا كانت حجرة نوم رأيت في ركن من أركانها حشية ولحافاً ومخدة ، تطوي في الصباح وتبسط في المساء . فلم نكن نستخدم الأسرة . وأدوات المطبخ في غاية السذاجة . وهكذا ، ولو أردنا أن ننتقل لكفتنا عربة كبيرة لنقل الأثاث. أما أكثر ما في البيت وأثمنه وما يشغل اكبر حيز فيه فالكتب - المنظرة مملوءة دواليب صففت فيها الكتب ، وحجرة أبي مملوءة بالكتب وحجرة في الدور الأول ملئت كذلك بالكتب .

وكان أبي مولعاً بالكتب في مختلف العلوم ، في الفقه ... والتفسير والحديث واللغة والتاريخ والأدب والنحو والصرف والبلاغة ، وإذا كان الكتاب مطبوعاً طبعتين : طبعة أميرية وطبعة أهلية لم يرتح حتى يقتنيه طبعة أميرية ، وقد مكنه عمله مصححاً في المطبعة الأميرية أن يقتني كثيراً مما طبع فيها وكانت هذه الكتبة اكبر متعة لي حين استطعت الاستفادة منها . وقد احتفظت بخيرها واتخذته نواة لمكتبتي التي اعتز بها وامضي الساعات فيها كل يوم إلى الآن .

في حجرة في هذا البيت ولدت. وكانت ولادتي في الساعة الخامسة صباحاً من أول أكتوبر سنة 1886، وكأن هذا التأريخ كان إرهاصا باني سأكون مدرساً فأول أكتوبر عادة بدء افتتاح الدراسة. وشاء الله أن أكون كذلك . فكنت مدرساً في مدرسة ابتدائية ، ثم في مدرسة ثانوية ثم في عالية ، وكنت مدرساً لبنين وبنات ، ومشايخ وافندية ، وكنت رابع ولد وُلد. ولم يكن أبي يحب كثرة الأولاد شعوراً منه بالمسؤولية ، ولما لقي من الحزن العميق في وفاة اختى أبشع وفاة.

وكان من محاسن أسرتنا استقلالنا في المعيشة وفي البيت ، فلا حماة ولا أقارب إلا أن يزوروا إماما .

وكان بيتنا محكوماً بالسلطة الأبوية : فالأب وحده مالك زمام أموره ، لا تخرج الأم إلا بإذنه ، ولا يغيب الأولاد عن البيت بعد الغروب خوفا من ضربه ، ومالية الأسرة كلها في يده يصرف منها كل يوم ما يشاء كما يشاء ، وهو الذي يتحكم حتى فيما نأكل وما لا نأكل ، يشعر شعوراً قوياً بواجيه نحو تعليم أولاده ، فهو يعلمهم بنفسه ويشرف على تعليمهم في مدارسهم ، سواء في ذلك أبناؤه وبناته ، ويتعب في ذلك نفسه تعباً لا حد له ، حتى لقد يكون مريضاً فلا يأبه بمرضه ، ويتكيء على نفسه ليلقي علينا درسه. إما إيناسنا وإدخال السرور والبهجة علينا وحديثه اللطيف معنا فلا يلتفت إليه، ولا يرى انه واجب عليه ، يرحمنا ولكنه يخفي رحمته ويظهر قسوته ، وتتجلى هذه الرحمة في المرض يصيب احدنا ، وفي الغيبة إذا عرضت لأحد منا ، يعيش في شبه عزلة في دوره العالي ، يأكل وحده ويتعبد وحده ، وقلما يلقانا إلا ليقرئنا . أما أحاديثنا وفكاهتنا ولعبنا فمع أمنا .

وقد كان لنا جدة - هي أم أمنا - طيبة القلب شديدة التدين ، يضيء وجهها نوراً ، تزورنا من حين لآخر ، وتبيت عندنا فنفرح بلقائها وحسن حديثها ، وكانت تعرف من القصص الشعبية - الريفية منها والحضرية - الشيء الكثير الذي لا يفرغ ، فنتحلق حولها ونسمع حكاياتها ولا نزال كذلك حتى يغلبنا النوم ، وهي قصص مفرحة أحيانا مرعبة أحيانا ، منها ما يدور حول سلطة القدر وغلبة الحظ ، ومنها ما يدور حول مكر النساء ودهائهن ، ومنها حول العفاريت وشيطنتها ، والملوك والعظماء وذلهم أمام القدر "الخ" ، وتتخلل هذه القصص الأمثال الشعبية اللطيفة والجمل التي يتركز عليها مغزى القصة .

ولكن كان بيتنا-على الجملة- جداً لا هزل فيه ، متحفظاً ليس فيه ضحك كثير ولا مرح كثير ، وذلك من جد أبي وعزلته وشدته .

ولم تكن المدنية قد غزت البيوت ، وخاصة بيوت الطبقة الوسطى أمثالنا. فلا ماء يجري في البيوت وإنما هو سقاء يحمل القربة على ظهره ويقذف ماءها في زير البيت تملأ منه القلب وتغسل عنه المواعين وكلما فرغت قربة أحضر قربة . والسقاء دائم المناداة على الماء في الحارة ، وحسابه لكل بيت عسير ، إذ هو يأخذ ثمن مائه كل أسبوع. فتارة يتبع طريقة أن يخط خطاً على الباب كلما احضر قربة . ولكن بعض الشياطين يغالطون فيمسحون خطاً أو خطين ، لذلك لجأ لاسقاء إلى طريقة "الخرز" فيعطي البيت عشرين خرزة ، وكلما احضر قربة اخذ خرزة ، فإذا نفذت كلها حسب أهل البيت عليها .

وأخيراً - وأنا فتى - رأيت الحارة تحفر والأنابيب تمد والمواسير والحنفيات تركب في البيوت وإذا الماء في تناولنا وتحت أمرنا ، وإذا صوت السقاء يختفي من الحارة ويريحنا الله من الخطوط تخط أو الخرز يوزع .

وطبيعي في مثل هذه الحال إلا يكون في البيت كهرباء فكنا نستضيء بالمصابيح تضاء بالبترول ، ولم نستضيء بالكهرباء حتى فارقت حينا إلى حي آخر أقرب إلى الأرستقراطية .

وطعامنا يطهى على الخشب ثم تقدمنا فطهينا على ترجيع الفحم (فحم الكوك) ثم تقدمنا أخيرا فطهينا على (وابور بريمس)

وكل أعمال البيت تقوم بها أمي . فلا خادم وخادمة ولكن يعينها على ذلك أبناؤها فيما يقضون من الخارج ، وكبرى بناتها في الداخل .

وكان أبي مدرساً في الأزهر ومدرساً في مسجد الإمام الشافعي وإمام مسجد ويتقاضى من كل ذلك نحو أنثي عشر جنيهاً ذهباً . فلم نكن نعرف عملة الورق ، واذكر -وأنا في المدرسة الابتدائية - أن ظهرت عملة الورق فخافها الناس ولم يؤمنوا بها وتندرت الجرائد الهزلية عليها . وكانت لا تقع في يد الناس-وخاصة الشيوخ - حتى يسرعوا إلى الصارف فيغيروها ذهباً. وكانت الاثنا عشر جنيهاً تكفينا وتزيد عن حاجتنا ويستطيع أبي أن يدخر منها للطواريء ، إذ كانت قدرتها الشرائية تساوي الاريعين جنيهاً والخمسين اليوم ، فعشر بيضات بقرش ، ورطل اللحم بثلاثة قروش أو أربعة ورطل السمن كذلك وهكذا . ومن ناحية أخرى كانت مطالب الحياة محدودة وعيشتنا بسيطة. فأبي من بيته إلى عمله إلى مسجده ثم إلى بيته ، لا يدخن ولا يجلس على مقهى ، وملابسنا جميعاً نظيفة بسيطة ، ومأكلنا معتدل ليس بضروري فيه تعدد أصنافه، ولا أكل اللحم كل يوم . ولم نر فيمن حولنا عيشة خيراً من معيشتنا تشقي بالطموح إلى أن نعيش مثلها ، ولا سينما ولا تمثيل. ولكن من حين لآخر ننصب خيمة على باب حارتنا يلعب فيها "قرة جوز" ادخل إليها بنصف قرش ويكون ذلك مرة في السنة أو مرتين .

وغمر البيت الشعور الديني: فأبي يؤدي الصلوات لأوقاتها ويكثر من قراءة القرآن صباحاً ومساء ، ويصحو مع الفجر ليصلي ويبتهل ، ويكثر من قراءة التفسير والحديث ، ويكثر من ذكر الموت ويقل من قيمة الدنيا وزخرفتها ويحكي حكايات الصالحين وأعمالهم وعبادتهم ، ويؤدي الزكاة يؤثر بها أقرباءه ويحج وتحج أمي معه - ثم هو يربي أولاده تربية دينية فيوقظهم في الفجر ليصلوا ويراقبهم في أوقات الصلاة الأخرى ويسائلهم متى صلوا وأين صلوا . وأمي كانت تصلي الحين بعد الحين ، وكلنا يحتفل برمضان ويصومه- وعلى الجملة فأنت إذا فتحت باب بيتنا شممت منه رائحة الدين ساطعة زاكية ، ولست أنسى يوماً أقيمت فيه حفلة عرس في حارتنا ، وقدمت فيه المشروبات الروحية لبعض الحاضرين فشوهد أخي المراهق يجلس على مائدة فيها شراب ، فبلغ ذلك أبي فما زال يضربه حتى أغمي عليه . وكان معي يوماً قطعة بخمسة قروش فحاولت أن اصرفها من بائع سجائر فشاهدني أخي الكبير فاخذ يسألني ويحقق معي تحقيق "وكيل النيابة" مع المتهم ، خوفاً من أن أكون اشتري سجائر لأدخنها إذ ليس احد في البيت يحدث نفسه أن يشرب سيجارة.

وبعد ، فما أكثر ما فعل الزمان! لقد عشت حتى رأيت سلطة الآباء تنهار ، وتحل محلها سلطة الأمهات والأبناء والبنات وأصبح البيت برلماناً صغيراً ، ولكنه برلمان غير منظم ولا عادل فلا تؤخذ فيه الأصوات ولا تتحكم فيه الأغلبية ، ولكن يتبادل فيه الاستبداد. فأحيانا تستبد الأم، وأحيانا تستبد البنت أو الابن وقلماً يستبد الأب. وكانت ميزانية البيت في يد صراف واحد فتلاعبت بها أيدي الصرافين ، وكثرت مطالب الحياة لكل فرد وتنوعت، ولم تجد رأيا واحداً يعدل بينها ، ويوزن بين قيمتها ، فتصادمت وتحاربت وتخاصمت ، وكانت ضحيتها سعادة البيت وهدوءه وطمأنينته .

وغزت المدنية المادية البيت فنور كهربائي وراديو وتلفزيون ، وأدوات للتسخين وأدوات للتبريد ، وأشكال وألوان من الأثاث . ولكن هل زادت سعادة البيت بزيادتها ؟

وسفرت المرأة وكانت أمي وأخواتي محجبات - لا يرين الناس ولا يراهن الناس إلا من وراء حجاب- وهكذا من امورالانقلاب الخطير ، ولو بعث جدي من سمخراط ورأى ما كان عليه أهل زمنه وما نحن عليه اليوم لجن جنونه ، ولكن خفف من وقعها علينا أنها تأتي تدريجياً ، ونألفها تدريجياً ، ويفتر عجبنا منها وإعجابنا بها على مر الزمان ، ويتحول شيئاً فشيئاً من باب الغريب إلى باب المألوف.


..أحسست حاجتي الشديدة إلى لغة أجنبية ، فدروسي في الأخلاق مصدرها مذكرات عاطف بك التي نقلها عن الإنجليزية ، وأنا شيق إلى أن أتوسع فيها ، ومن حولي من الأساتذة العصريين يستفيدون اكبر فائدة من مادتهم التي يحضرونها من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية ، وقد أخفقت في تعلم الفرنسية ، فلأجرب حظي في الإنجليزية.

ويوماً قابلت صديقي احمد بك أمين ، وجلسنا في مقهى ، وذهب الحديث فنوناً إلى أن وجدته يقول انه عثر على كتاب إنجليزي قيم لمستشرق أمريكي اسمه ماكدونالد ، وانه قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام : قسم يتعلق بنظام الحكم في الإسلام ، وقسم في الفقه الإسلامي ، وقسم في المذاهب والعقائد الإسلامية. واخذ يطري الكتاب ويحكي بعض آرائه ، فاستفزني الموضوع وقلت : هل تستطيع الآن أن تذهب معي إلى مدرسة (برليتز) لأرتب دروساً لي في الإنجليزية؟ فقبل ، وأقسمت أن أتعلم وان اقرأ هذا الكتاب في لغته . وذهبنا إلى المدرسة ورتبنا دروساً ثلاثة في الأسبوع بمائة وخمسين قرشاً كل شهر. واشتريت الكتاب الأول ، وتولى تعليمي سيدة إنجليزية يظهر أنها فقيرة الحال، تحسن الإنجليزية لأنها انجليية، وان لم تكن مثقفة إلا الثقافة الضرورية. وبذلت في ذلك مجهوداً شاقاً ، اقرأ في البيت وأحفظ في الطريق وأذاكر إذا كنت مراقباً في الامتحان أو مشرفاً على حصة ألعاب رياضية ، والدراسة بهذا الشكل عسيرة إذ لم أكن في فصل يتعاون الطلبة فيه على التعليم، ولم أكن في بيئة تعود سمعي اللغة ، ويقول لي الشيخ الخضري ، لقد جرب هذه التجربة مئات من طلبة دار العلوم ، فساروا خطوات ثم وقفوا ، ولم ينجح منهم إلا من كان بعثة إلى انجلترا ، فقلت له سأجرب كما جربوا ولكن سأنجح إذا فشلوا .

وبعد شهرين في هذا الجهد أحضرت كتيباً صغيراً عنوانه "الإسلام Islam" للسيد أمير علي ، وقلت أن موضوعه معروف لي ومعرفة الموضوع تعين على الفهم . ولكني قرأت الصفحة الأولى فلم افهم ، فظللت اصرف أكثر من ثلاث ساعات في الصفحة ، اكشف في المعجم العربي عن كل كلمة حتى "من" و"عن" وأنا جاد صابر. ومكثت على ذلك سنة، أتممت فيها الجزء الأول والثاني من كتب برليتز وبدأت الجزء الثالث في السنة الثانية . وفيه بعض فصول في الأدب والإنجليزي وتاريخه. فأحسست أن هذه المدرسة غير ملمة بتاريخ الأدب وأنها لا تصلح لتدريس هذا الكتاب ، فبحثت عن مدرس آخر أو مدرسة أخرى .

ووفقت إلى سيدة انجليزية كان لها اثر عظيم في عقلي ونفسي .

مس بور (Power) سيدة في نحو الخامسة والخمسين من عمرها ، ضخمة الجسم مستديرة الوجه ، يوحي منظرها بالقوة والسيطرة، بسيطة في ملبسها وزينتها . مثقفة ثقافة واسعة ، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية ، ذات رأي تعتد به جريدة التيمس فترحب بمقالاتها ، عرفت الدنيا من الكتب ومن الواقع ، أقامت في فرنسا سنين وفي ألمانيا سنين وفي أمريكا سنين فكملت تجاربها واتسع افقها ، حضرت إلى مصر ووافقها جوها فأقامت فيها ولكن ليس لها من المال ما يكفيها للإقامة طويلاً، فهي تستأجر بيتاً خالياً في ميدان الأزهار وتفرش حجراته ، وتؤجرها للراغبين فتكسب من ذلك نحو ثلاثين جنيهاً في الشهر تكون أساس عيشها. ثم هي رسامة فنانة ، تأخذ أدواتها إلى سفح الهرم فترسم الصور الزيتية لمنظر الأهرام والفيضان وما يحيط بهما من منظر جميل أو نحو ذلك من مناظر طبيعية ترسمها بالزيت وتتأنق فيها ، وتقضي في رسمها الأيام والأشهر وتبيعها بثمن كبير ، ثم هي تدرس الرسم والتصوير لبنات رئيس وزارة ، ثم هي تقبل أن تدرس لي درساً في اللغة الإنجليزية بجنيهين كل شهر ، ولا تعاملني معاملة مدرسة لتلميذ، بل معاملة أم قوية لابن فيه عيوب من تربية عتيقة.

ابتدأت ادرس معها الجزء الثالث من سلسلة كتب بيرليتز ، اقرأ فيه وتفسر لي ما غمض وتصلح لي ما اخطات ، ثم أضع الكتاب وأحدثها وتحدثني في أي موضوع آخر يعرض لنا. ولا ادري لماذا لا يعجبها مني أن أضع العمامة بجانبي إذا اشتد الحر ـ بل تلزمني دائماً بوضعها فوق راسي . ونستمر على ذلك نحو الساعتين أتكلم كثيراً وتتكلم قليلاً ، وتنفق أكثر ما تأخذه مني في أشكال مختلفة لنفعي، فهي تدعو بعض أصحابها الإنجليز من رجال ونساء إلى الشاي ، وتدعوني معهم لأتحدث إليهم ويتحدثوا إلي ، فاسمع لهجانهم ويتعود سمعي نطقهم وأصغي إلى آرائهم وأفكارهم واقف على تقاليدهم ، ومرة ترسلني إلى سيدة انجليزية صديقة لها اكبر منها سناً قد عدا عليها المرض فالزمها سريرها لأتحدث إليها . تقصد بذلك أن هذه المريضة تجد في تسلية لعزائها وفرجاً من كربتها ، وأنا أجد فيها ثرثارة لا تنقطع عن الكلام ، فاستمع إلى قولها الإنجليزي الكثير رغم انفي.

وتوثقت الصلة بيننا فكأنني كنت من أسرتها ، وهي لا تعني بي من ناحية اللغة الإنجليزية وآدابها فحسب ، بل هي تشرف على سلوكي وأخلاقي . لاحظت في عيبين كبيرين فعملت على اصلاحهما ، ووضعت لي مبدأين تكررهما على في كل مناسبة.

رأتني شاباً في السابعة والعشرين أتحرك حركة الشيوخ ، وامشي في جلال ووقار ، وأتزمت في حياتي ، فلا موسيقى ولا تمثيل ولا شيئاً حتى من اللهو البريء واصرف حياتي بين دروس احضرها ودروس القيها ، ولغة أتعلمها ، ورأتني مكتئب النفس منقبض الصدر ينطوي قلبي على حزن عميق ، ورأتني لا ابتهج بالحياة ولا يتفتح صدري للسرور ، فرضعت لي مبدأ هو : "تذكر انك شاب" تقوله في كل مناسبة وتذكرني به من حين إلى حين.

والثاني إنها رأت لي عيناً مغمضة لا تلتفت إلى جمال زهرة ولا جمال صورة ولا جمال طبيعة ولا جمال انسجام وترتيب ، فوضعت لي المبدأ الآخر : "يجب أن يكون لك عين فنية" فكنت إذا دخلت عليها في حجرتها وبدأت آخذ الدرس وأتكلم في موضوعه صاحت في : "الم تر في الحجرة أزهارا جميلة تلفت نظرك وتثير إعجابك فتتحدث عنها؟" وكانت مغرمة بالأزهار تعني بشرائها وتنسيقها كل حين ، وتفرقها في أركان الحجرة وفي وسطها ، ويؤلمها اشد الألم أن ادخل على هذه الأزهار فلا أحييها ولا ابدي إعجابي بها وإعجابي بفنها في تصفيفها .


.....وفي هذا العهد كثر الحديث في مجالسنا عن الزواج والأزواج والزوجات وسعادة الزوجية وشقائها وضرورتها أو الاستغناء عنها والزواج بالأجنبيات والمصريات ، ورويت الأحاديث المختلفة عن فلان المتزوج الذي سعد في زواجه وفلان المتزوج الذي شقي بزواجه، وفلان الذي اضرب عن الزواج واستمتع بالحياة في أولها وشقي في أخرها وهكذا. وجال الموضوع في ذهني في قوة ووجدتني قد بلغت التاسعة العشرين . فصممت أن أبت في الموضوع هل أتزوج أو لا أتزوج ، وأخيرا وبعد تردد طويل قررت أن أتزوج ، ولكن نشأت العقدة الثانية : من أتزوج ؟ وكان السفور في هذا الزمن في أول أمره لم يجرؤ عليه إلا عدد محدود من المثقفات. فكان الزواج غالباً يخضع للتقاليد القديمة ، يسمع الشاب من صديقه أو احد أقاربه أن لفلان بنتاً في سن الزواج ، وقد يبلغه هذا الخبر من محترفة لهذه الوظيفة وهي التي تسمى الخاطبة وهي امرأة تزور البيوت وتتعرف أخبارها وترى من فيها من الشابات في سن الزواج أو من الشباب الذين يريدون الزواج ، وتكون واسطة بين أهل الزوج وأهل الزوجة في تعريف هؤلاء بأولئك ، فيتقدم احد أقارب الشاب إلى أبي الشابة أو ولي أمرها يعرض عليه الرغبة فإذا قبل أرسل الشاب أمه وبعض قريباته من النساء لرؤية الفتاة ، فإذا وصفوها وصفاً اقتنع به تقدم للزواج من غير أن ينظرها ويعرف شكلها وطباعها وأخلاقها .وإنما يعرف ذلك كله بعد عقد العقد وبعد الزفاف.

وهكذا كان الزواج في عهدي في مثل طبقتي . وكنت شاباً لا باس بشكله ولا باس بأسرته ، فانا وبيتي نعد من الأوساط وأنا احمل شهادة عالية ، ومرتبي نحو ثلاثة عشر جنيهاً وهو مرتب لا يستهان به في ذلك العصر ، وكنت أتلمس الزواج من أمثالي في الأوساط، لا اطلب الغنى ولا اطلب الجاه . ومع ذلك كله وقفت العمامة حجر عثرة في طريقي. فكم تقدمت إلى بيوت رضوا عن شبابي ورضوا عن شهادتي ورضوا عن مرتبي ، ولكن لم يرضوا عن عمامتي، فذو العمامة في نظرهم رجل متدين ، والتدين في نظرهم يوحي بالتزمت وقلة التمدن والالتصاق بالرجعية والحرص على المال ونحو ذلك من معان منفرة ، والفتاة يسرها الشاب المتمدن اللبق المساير للدنيا اللاهي الضاحك ، فكم قيل لي أن ليس عندهم مكان لعمامة ، ورضي بي قوم أولا وأحبوا أن يروني ، فأحببت أن أريهم أني متمدن ، وذهبت إليهم احمل كتاباً إنجليزيا وجلست إليهم وجلسوا إلي وتحدثت إليهم حديثاً عصرياً على آخر طراز وحشرت في كلامي بعض كلمات انجليزية فاستغربوا لذلك ، وفهمت أنهم أعجبوا بي ورضوا عني، ولكن بلغني أن الفتاة أطلت على من الشباك وأنا خارج ورأت العمامة والجبة والقفطان فرعبت ورفضت رفضاً باتاً أن تتزوجني رغم إلحاح أهلها. وشاء القدر أن تتزوج هذه الفتاة فيما بلغني شاباً أنيقا كاتباً في وزارة ولكنه سكير معربد أذاقها المرار في حياتها الزوجية ثم طلقها ، وما زال يسوء حالها حتى تزوجت بعامل في التلغراف وجاءت إلى وأنا قاض في محكمة الازبكية تطلب من زوجها النفقة.

وهكذا لقيت العناء في الزواج . فكلما دلني صديق على فتاة فأما أن أجد مانعاً منها أو تجد مانعاً مني. فمن أرضاه لا يرضاني ومن يرضاني لا أرضاه. وأخيرا دلني مدرس معي في مدرسة القضاء على بيت رضيني ورضيته . فأرسلت أمي واختى وزوجة الأستاذ لرؤية الفتاة فرأينها ووافقن عليها ، وجعلت اسأل أمي واختى أسئلة عن شكلها وملامح وجهها وطولها وعرضها وفراستهما في أخلاقها ونحو ذلك ، واستمع لإجابات لا تصور شكلا ولا توضح حقيقة ، واجلس إلى نفسي واعمل خيالي فيما سمعت ، فأصوغ من ذلك شكلاً. وقد اجلس معهما مرة أخرى اسمع منها حديثا آخر ووصفاً آخر، فأتخيل من ذلك صورة أخرى وهكذا. وأخيرا سلمت الأمر لله وتركت التصوير حتى ترى العين ما رسم الخيال . وتم عقد الزواج يوم 3 ابريل سنة 1916 ، وقد أخذت يوم العقد مائة جنيه إنجليزي ذهباً في علبة جميلة قدمتها مهراً للزوجة ، وانتظرت نحو أربعة اشهر حتى يتم أهل الزوجة الجهاز .

وكانت هذه الأشهر الأربعة مجال تفكير في السعادة المرجوة والأحلام اللذيذة ، بناء القصور على الآراء الفلسفية أو النظريات المدونة في الكتب . فانا ازور المكتبة الإنجليزية وابحث عما كتب في الزواج ، فاعثر - مثلا - على سلسلة من الكتب احدها فيما ينبغي للزوج أن يعلم ، وثانيها فيما ينبغي للزوجة أن تعلم وهكذا . ثم أجد كتاباً في الزواج السعيد وآخر في الأسرة ، وثالثاً في تربية الطفل فأقرؤها وأفكر فيها استخلص منها ما يجب أن اعمل لأسعد وعلى أي الأسس ابني أسرتي وهكذا.



وبعد العذاب في اختيار الزوجة وعقد العقد وإعداد الجهاز اخترت بيتاً اسكن فيه وحدي مع زوجي قريباً من بيت أهلي ، وحرصت على ذلك حتى لتجنب الأقوال الشائعة والحكايات التي لا تنتهي في النزاع بين الزوجة والام ، وكذلك تمت هذه المرحلة.



تزوجت وكان كل اعتمادي في الزواج - كما ذكرت - على الخيال لا على الواقع . الخيال هو الذي رسم صورة زوجتي وأخلاقها وصفاتها معتمداً في رسمه على أحاديث النساء اللاتي شاهدنها ، والخيال هو الذي رسم صورة لحياتي المستقبلية اعتماداً على ما سمعته من أحاديث عمن سعدوا في زواجهم ومن شقوا ، وأسباب سعادتهم وأسباب شقائهم ، واعتماداً على ما قرأته في الكتب الإنجليزية عن الحياة الزوجية.

ولكن شتان بين الواقع والخيال ، فالخيال يرسم الصورة وهو حر طليق محلق في السماء ، والواقع يلتصق بالأرض ويتقيد بالظروف والبيئة والمكان والزمان وغير ذلك . وقد اذكرني الفرق بين الواقع والخيال بحادث حدث لصديق لي سافرت معه إلى الإسكندرية لنستجم من متاعبنا ، وكنت اعرف العوم ولم يكن يعرفه ، فغاظه ذلك وصمم على أن يتعلم العوم ، فغاظه ذلك وصمم على أن يتعلم العوم ، وصادف أن مر أمام مكتبة انجليزية فرأى في ظاهرها كتاباً في العوم فاشتراه - وكان قوياً في اللغة الإنجليزية فسهر عليه ليلة حتى أتمه قراءة وفهماً وعرف منه تمام المعرفة نظرية العوم وكيفيته وطرقه ، وأيقن انه بذلك يستطيع أن يغالب اكبر عوام ، وحدثني بذلك في الصباح فضحكت من حديثه. فلما ذهبنا إلى حمام البحر تبخرت كل نظرياته وعلمه ، ووضع "قرعتين" على ظهره، وامسك بالحيل الممدود ، وطمأن رجليه على الرمل، ولكن سرعان ما اصفر وجهه واضطرب جسمه وخاف أن يفارق الجيل وفقاً لنظريات الكتاب.

قابلت زوجي فكنت كمن يفض حلاوة البخت أو كمشتري ورقة اليانصيب حين يقرأ جدول النمر الرابحة ، وحمدت الله على ما وهب ، وبقى أن اعرف صفاتها التي تظهر يوماً فيوماً كلما حدثت مناسبة آو جد جديد.

لقد عشنا زمناً عيشة هادئة فيها لذة الاستكشاف : أتكشف أخلاقها وتصرفاتها وتتكشف أخلاقي وتصرفاتي ، وفيها لذة تحقيق الشخصية فقد لبثت طويلاً في كنف أبوي ، وأنا الآن رئيس البيت حر التصرف إلى آخر ما هنالك.

ولكن صدم زوجي بعد قليل أن رأتني هادئاً غير مرح ، قليل الكلام ، وقد تربت في بيت مرح ، مملوء بالضحك والبهجة ، يكثر فيه الحديث في الفارغ والملآن ، فظنت أني لا اقدرها أو نادم على الزواج بها . وأؤكد لها أن هذا طبعي كسبته في بيتي فلم تصدق ولم تطمئن إلا بعد طول العشرة ووثوقها من أني كذلك مع غيرها لا معها وحدها.

ومشكلة أخرى عرضت لها ولي ، وهي أني رجل مدرس مضطر إلى تحضير دروسي في المساء لألقيها في الصباح ، وفوق ذلك أني أحب القراءة في غير دروسي أيضا ، فانا فرح بتعلمي الإنجليزية مشغول أول عهدي بالزواج بإنهاء ترجمة كتاب “مباديء الفلسفة” ، وزوجتي مثقفة ثقافة محدودة ، تقرأ القصص والروايات الخفيفة من غير شغف، فهي تحتمل الصباح وحدها لإعداد ما نأكل وتنظيف ما ينظف ، ولكن كيف تحتمل المساء أيضا وحدها وأنا في غرفة بجانبها اقرأ واكتب والأيام هي الأيام الأولى لزواجنا ؟ وحدث مرة أن أعدت العشاء وفتحت على الباب وأخبرتني بان العشاء معد. وكنت أمام جملة في مباديء الفلسفة صعبة ، أحاول ترجمتها وأحاور عبارتها وأتذوق صياغتها ، فلم اسمع النداء والأخبار ، ولم اشعر بفتح الباب ، فكان خصام وكان نزاع وكانت شكوى إلى أهلها لم تنته إلا بعناء. ولم استطع التحول عن طبعي وغرامي . ثم حلت المشكلة بعض الشيء بالولد الأول واشتغال أمه به ثم بما تتابع من أولاد ، ثم باضطرارها إلى قبول الأمر الواقع والرضا بما قدر الله من عيش في شبه عزلة بما اقرأ واكتب.

وكانت نظريتي في الأولاد تخالف نظريتها ، فكان من رأيي الاقتصار على ولد أو ولدين ، شعوراً بمسئولية التربية وتوفيراً للزمن الذي احتاجه في التحصيل والدرس ، وتمشياً مع النظرة التي أراها وهي أن الأمة المصرية مكتظة بالسكان وان كثرتهم تحول دون العناية بتغذيتهم تغذية صحيحة ، فلو قل عدد الأسرة كانت اقدر على أن ترفع مستواها في أمور الاقتصاد والتربية ، ولكن زوجتي لا ترى هذا الرأي ، وقد نصحتها بعض قريباتها بالمثل المشهور وهو "قصيه لئلا يطير" فالطائر إذا نزع ريشه أو قص لا يطير ، والزوج إذا خف حمله لقلة الأولاد كان عرضة أن يطير ويتزوج ثانية وثالثة ، وقد غلبت نظريتها نظريتي، ولم تعبأ بالمتاعب التي كانت تلاقيها في الولادة والتربية ، فرزقت بعشرة أولاد -ولله الحمد- مات منهما اثنان في طفولتهما ، وبقى لي ثمانية اسأل الله أن يمد في عمرهم ويسعدني بهم ، ستة أبناء وبنتان ، واني لأعجب لنفسي وعجب لي غيري كيف استطعت أن أؤلف ما الفت واكتب ما كتبت واقرأ ما قرأت مع ما تتطلبه تربية الأولاد من جهود لا نهاية لها ، ويرجع الفضل في ذلك إلى الأم وحملها عني الأعباء التي تستطيع القيام بها ، واكتفائي بالإشراف على تربيتهم العلمية والخلقية، ثم تقصيري في إطالة الجلوس معهم ومسامرتهم وإطالة عزلتي على مكتبي .

على كل حال بعد أن عرفت زوجي أخلاقي وعرفت أخلاقها وتكشفت لها ميولي وتكشفت لي ميولها ، حدثت المصالحة والتفاهم فتنازلت عن بعض رغباتها لرغباتي ، وتنازلت عن بعض رغباتي لرغباتها ، فكانت عيشة هادئة سعيدة نرعى فيها أكثر ما نرعى مصلحة الأولاد وخلق الجو الصالح لتربيتهم .

وأحيانا كان يعكر صفونا شيئان لعله لم يخل بيت منهما إلا في القليل النادر .

احدهما مسألة الخدم ، فالبيت لا سيغني عنهم ولا يرتاح بهم ، وكانت مشكلتهم عندنا مزمنة وخاصة في الخادمات . فزوجي غضوب ، تريد أن تنفذ جميع أوامرها في دقة ، والخادمة لا تعمل أو لا تستطيع أو تعاند فيكون الغضب ، أو تريد أن تعاملها معاملة السيد للعبد ، تأبى هي إلا أن تعامل معاملة الند للند ، أو تريد زوجي أن تكون الخادمة نظيفة والخادمة قذرة ، أو مرتبة منظمة وهي لا تفهم ترتيباً ولا نظاماً ، وهكذا . كثيراً ما يكون للزوجة الحق وكثيراً ما يكون للخادمة الحق ، فإذا تدخلت انقلب مركز النزاع من الخادمة إلي . وزوجي غيور ، فهي لا تحب بطبيعتها أن يكون للخادمة أية مسحة من جمال ، فان كانت كذلك فالويل لها ، والحديث يطول بيننا حول خادمة خرجت وخادمة جاءت وخادمة أساءت وخادمة سرقت . وأخيرا قررت إخلاء يدي من الخادمين والخادمات ، وتركت لها مطلق الحرية أن تخرج من تشاء وتدخل من تشاء على شرط ألا تذكر لي شيئاً من أخبارهم وأحوالهم .

والثاني مشكلة وسائل التفاهم ، فقد كنت من غفلتي اعتقد أن العقل هو وحده الوسيلة الطبيعية للتفاهم ، فان حدثت مشكلة احتكمنا إليه وأدلى كل منا بحججه فأما اقتنع وإما اقنع وإما أصر ، وإما اعدل ، ولكني بعد تجارب طويلة رأيت أن العقل أسخف وسيلة للتفاهم مع أكثر من رأيت من السيدات، فأنت تتكلم في الشرق وهن يتكلمن في الغرب ، وأنت تتكلم في السماء فيتكلمن في الأرض ، وأنت تأتي بالحجج التي تعتقد أنها تقنع أي معاند ، وتلزم أي مخاصم ، فإذا هي ولا قيمة لها عندهن . تقول : أن الاوفق أن تتصرف في هذا الأمر بكذا لكذا من الأسباب ، فترد عليك بأقوال متأثرة بعواطف ساذجة . وتقول : هذا التصرف لا يصلح لما يترتب عليه من أضرار تعينها . فترد عليك بان العرف والعادة غير ذلك . وتعاقب ابنك لتؤدبه فتفسد العقوبة بتدخلها لمجرد العطف الكاذب . وتتصرف التصرفات الحكيمة فتؤولها بنظراتها العاطفية تاويلات غريبة . وهكذا أدركت أن من الواجب إلا التزم المنطق ، واني إذا أردت الراحة والهدوء فلأضح بالمنطق أحيانا ، وأتكلم الكلمة السخيفة إذا كان فيها الرضا، والعب بالعواطف رغم المنطق إذا أردت السلامة .



وهكذا كانت حياتنا كالبحر الهاديء ، ولكن من حين لآخر تثور مشكلة من هذه المشاكل فيتكهرب الجو ويموج البحر ثم تنتهي العاصفة ويعود إلى البحر هدوؤه .

ولم تكن لنا مشكلة مالية مما تشقى به تعض العائلات ، فقد وسع الله علي في الرزق ، ولم يأت على يوم اقتصرت فيه على مرتبي الحكومي . فعند تخرجي من مدرسة القضاء انتدبت مدرساً للأخلاق بمدارس الأوقاف الملكية بمرتب آخر ، ولما عينت قاضياً انتدبت مدرساً بمدرسة القضاء ، ثم در على الرزق بما اربح من كتبي ومقالاتي . فمع ما يتطلبه الأولاد الكثيرون من نفقات لم اشعر بحاجتي إلى الاستدانة ولا مرة ، والى جانب ذلك فانا رجل ليس لي كيف من الكيوف إلا الدخان ، ثم معتدل في الأنفاق ، وأنا أميل إلى التبذير وزوجتي أميل إلى التدبير ، ولو ترك الأمر لي ما أبقيت على شيء ، ولكن زوجتي لكثرة الأولاد ، وما يتطلبه ذلك من حساب المستقبل ، احتاطت ودبرت وادخرت .

وكذلك حمانا الله من مشاكل أخرى أصيبت بها بعض الأسر لا داعي لذكرها لأنها لم تدخل في تجاربنا .

ورزقت بالولد الأول عقب زواجي ، فأوليته كل عنايتي وطالعت من اجله بعض الكتب الإنجليزية والعربية في تربية الطفل ، وكنت اشتري له اللعب الأجنبية الموضوعة للتسلية وتربية العقل ، ولم ارتض له المدارس المصرية ،ـ فعلمته في المدارس الفرنسية - في الفرير - ثم حولته بعد السنة الثالثة الثانوية إلى مدرسة مصرية ليتقوى في اللغة العربية والإنجليزية ، فلما نجح في البكالوريا ، كان ترتيبه متقدماً يسمح له أن يكون في الطب أو الهندسة ، اختار الهندسة .

وعنيت بالولد الأول اكبر عناية ، علماً بأنه سيكون نموذجاً لإخوته .

وقد كنت قاسياً على أولادي الأولين ، شديد المراقبة لهم في دروسهم وأخلاقهم ، أعاقبهم على انحرافهم ولو قليلاً ، ولا اسمح لهم بالحرية إلا في حدود ، حسب عقليتي إذ ذاك ، ولكنها على كل حال قسوة لا تقاس بجانب قسوة أبي علي، وكلما تقدمت بي السن واتسع تفكيري أقللت من تدخلي وأكثرت من القدر الذي يستمتعون فيه بحريتهم ، فلم أجد كبير فرق بين الأولين والآخرين لشدة تأثر من لحق بمن سبق .

وما أكثر ما لقيت من متاعب الأولاد في صحتهم وفي دراستهم وفي سلوكهم وكان لكل سن متاعبها . فأكثر متاعب الطفولة في الصحة والمرض، وأكثر متاعب المراهقة في الدراسة والسلوك، وأكثر متاعب الشباب في طرق الوقاية والمهارة في الإشراف من بعيد . وكثيراً ما كان عندي الأسنان كلها احمل متاعبها المتنوعة جميعها . واحمد الله فقد نجحت في تحمل أعبائهم ، وحسن توجيههم إلى حد كبير. فالآن وأنا اكتب هذا زوجت بنتي زوجاً يعد بقدر الإمكان سعيداً ، وأتم ثلاثة دراسة الهندسة والرابع في طريق إتمامها ، ولما ضقت ذرعاً بالهندسة وكرهت سماع النغمة الواحدة تدخلت في الأمر بعد أن كنت اترك لهم الاختيار ـ فوجهت الخامس لدراسة الحقوق ، وحاولت أن أوجه السادس للطب وقد كان أول البكالوريا في القطر فلم افلح .

وكان حنوي وحنو أمهم عليهم بالغ الحد، حتى لكثيراً ما ضحينا بسعادتنا لسعادتهم ، وتعبنا لراحتهم ، وانفقنا من صحتنا محافظة على صحتهم ، ونحن نطمع أن يتولى الله وحده الجزاء . أما هم فقد يحاسبوننا على الكلمة الصغيرة يظنون أنها تجرح إحساسهم ، وعلى التقصير القليل يظنونه مساً بحقوقهم ، وعلى العمل يسيئون تفسيره ، وقد يكون الغرض منه خيرهم ، ولكن الموقف النبيل يقضي بان تربية الأولاد ليست تجارة ، تعطي لتأخذ وتبيع لتربح ، إنما هي واجب يؤديه الآباء لأبنائهم وأمتهم ، فان قدره الأبناء فادوا واجبهم نحو آبائهم فيها ، والا فقد فعل الآباء ما عليهم ، والمكافيء الله.

نعم رزقت الحنو عليهم حنواً شديداً حتى لينغص على سفري إذا سافرت ورحلاتي إذا رحلت فلا أزال اذكرهم في سفري حتى أعود ، ولا تهنأ لي راحة إلا إذا عدت إليهم ، وأخواني المسافرون معي يستنكرون ذلك مني ، ولا أراهم يحنون إلى أولادهم حنيني.


تركت العمادة وعدت استاذاً وخلت يدي ممن كل سلطة إدارية ، واتت وزارة لا تعدني من رجالها ، فلم يكن لي شأن في علاوات وترقيات ، وليس في قبول في شفاعات ، وأذ ذاك سفرت لي وجوه قبيحة من أنكار الجميل وقلة الوفاء .

هذا كان صديقي يوم كنت أستطيع نفعه ، فلما سلبت مني هذه القدرة تلمس الوسائل ليكون عدوي، فان لم يجد أسبابا اختلقها ، وان لم يجد فرصة لإظهار هذه الخصومة تعمد إيجادها ، وهؤلاء الذين كانوا يتهافتون على إقامة حفلات تكريم لي يوم انتخبت عميداً ، فارفضها وارفضها ، لم يفكروا في إقامة حفلة وداع يوم تركت العمادة .

وهذه التليفونات التي كانت تدق كل حين للسؤال عن صحتي ، وطلب موعد لزيارتي ، لإظهار الشوق أولا ، والاطمئنان على صحتي ثانياً ،والرجاء في قضاء مسألة ثالثاً ، لم تعد تدق إلا للأعمال الضرورية التي ليس منها سؤال عن صحة ، ولا إعلان أشواق .

وهذا صندوق البريد الذي كان يمتليء بالخطابات المملوءة بالطلبات والرجاوات أصبح فارغاً إلا من خطابات عائلية أو مسائل مصلحية.

وهذه أيام الأعياد التي كان يموج فيها البيت بالزائرين من الصباح إلى المساء يهنئون بالعيد ، أصبحت كسائر الأيام ، اجلس فيها على المكتب فاقرأ واكتب ، ولا وسائل ولا مجيب .

وهذه صورة للناس لم تكن جديدة علي، فقد قرأت مثلها في الكتب كثيراً ،وسمعت في الأحاديث كثيراً ، وشاهدتها في غيري كثيراً ، ولكن لعل أسوأها في نفسي ما شاهدته من قلة الوفاء في بعض طلبتي ، فقد كنت اعتقد أن الرابطة العلمية فوق كل الروابط ، وان حق الأستاذية فوق كل الحقوق . أما أن طالباً يخرج على استاذه ويخاصمه ، ويقدح فيه بالكذب والأباطيل فشيء لم أكن رايته ، فلما رايته استعظمته ، وحز في نفسي وبلغ أثره أعماق قلبي ، لم اعد بعد ذلك أثق بالناس كما كنت أثق ، ولا اركن إليهم كما كنت اركن ، فكانت إذا حدثت فصول من هذا القبيل تكسرت النصال على النصال :

وصرت اشك فيمن اصطفيه لعلمي انه بعض الأنام

وعدت إلى الكتاب فهو أوفى وفي وخير صديق .

هاأنا أعود إلى كتبي ومكتبتي ، وابدأ في إعداد الجزء الأول من ظهر الإسلام ، والاشتراك في نشر كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ، واضع - مع الأستاذ زكي نجيب - خطة في وضع كتاب قصة الفلسفة اليونانية ، ثم قصة الفلسفة الحديثة في جزأين ، ثم قصة الأدب في العالم في أربعة أجزاء ، وأشارك في تأليفها وإنجازها ، وأجد بعد ذلك من الفراغ ما يمكنني من الاشتراك وأشارك في تأليفها وإنجازها ، وأجد بعد ذلك من الفراغ ما يمكنني من الاشتراك في المجالس العلمية والإشراف على أعمال لجنة التأليف والترجمة والنشر ونحو ذلك - حياة علمية هادئة لذيذة ، لا خصومة فيها ولا رجاء فيها ولا أخذ ولا رد فيها . وهذا هو ما يتفق ومزاجي ، فانا لا أحب الجاه بالقدر الذي يجعلني أتحمل متاعب المنصب الإداري وما فيه من ضياع وقت واضطراب بال .

وقد كان بجانب عملي العلمي في البحث والتأليف والنشر أن اتجهت اتجاهاً أدبيا كان امتداداً لما بدأت به من الأيام الأولى من حياتي يوم اشتركت في تحرير جريدة السفور . في سنة 1933 فكر الأستاذ احمد حسن الزيات في أن يشترك مع بعض أصدقائه في لجنة التأليف في إخراج مجلة الرسالة ، وكنت احدهم ، فكنت اكتب في كل أسبوع تقريباً مقالة ، وكان هذا عملاً أدبيا يلذ نفسي بجانب بحثي العلمي ، فأنا كل أٍسبوع أفكر في موضوع مقال وأحرره ، واضطرني ذلك إلى قراءة كثير من الكتب الإنجليزية استعرض فيها ما يكتب وكيف يكتب ، واعتمد أكثر ما اعتمد على وحي قلبي أو أعمال عقلي أو ترجمة مشاعري ، وكانت مقالاتي تتوزعها هذه العوامل الثلاثة.

وأكثر ما اتجهت في هذه المقالات إلى نوع من الأدب تغلب عليه الصبغة الاجتماعية والنزعة الإصلاحية ، فهذا اقرب أنواع الأدب إلى نفسي وأصدقها في التعبير عني . وخير الأدب ما كان صادقاً يعبر عما في النفس من غير تقليد ، ويترجم عما جربه الكاتب في الحياة من غير تلفيق . ولقد اطمأننت إلى هذا النوع من الكتابة ، إذ كان يفتح عيني للملاحظة والتجربة ، ويسري عن نفسي بالإفراج عما اختزنته من حرارة . فكنت اشعر بعد كتابة المقالة كما يشعر المحزون دمعت عينه أو المسرور ضحكت سنه . وكنت أحس كان نحلة تطن في أذني لا تنقطع حتى اكتب ما يجيش في صدري ، فإذا استولى موضوع المقالة على ذهني فهو تفكيري إذا أكلت أو شربت ، وحلمي إذا نمت ، وعمل لا وعيي الباطن إذا شُغلت . ولهذا انقلبت هذه الظاهرة إلى عادة ، ومن عادة إلى كيف متسلطن كما يشعر مدمن الدخان أو مدمن الخمر .

ولي تجربة في هذا الباب ، وهي أني إذا عمدت إلى إعداد بحث علمي كفصل من فصول فجر الإسلام أو ضحى الإسلام فانا كل وقت صالح لهذا العمل مالم أكن مريضاً ، أما في المقالات الأدبية فلست صالحاً في كل وقت ، بل لابد أن تهيج عواطفي بعض الهياج ، وتهتز نفسي بعض الاهتزاز ،وانسجم مع الموضوع كل الانسجام . فإذا لم تتيسر لي كل هذه الظروف كنت كمن يمنح من بئر أو ينحت من صخر . وأحيانا أرى القلم يجري في الموضوع حتى لا أستطيع أن اقفه ، وأحيانا يسير في بطء وعلى مهل حتى لا أستطيع أن استعجله ، وأحيانا يتعثر فلا أجد بداً من الأعراض عن الكتابة . ومن الصعب تعليل ذلك ، فقد يكون سببه صلاحية المزاج وسوءه. وقد يكون قوة الدواعي وضعفها ، وقد يكون الاستعداد للتجلي وعدمه .

واعتدت منذ أول عهدي بالقلم أن اقصد إلى تجويد المعنى أكثر مما اقصد إلى تجويد اللفظ ، والى توليد المعاني أكثر من تزويق الألفاظ ، حتى كثيراً ما تختل (ضمائري) فأعيد الضمير على مؤنث مذكراً وعلى مذكر مؤنثاً ، لأني غارق في المعنى غير ملتفت إلى الألفاظ ، ولا أتدارك ذلك إلا عند التصحيح ، وقد يفوتني ذلك أيضا . ولتقديري للمعنى أميل إلى تبسيطه ، حتى لأسرف أحيانا في إيضاحه ، لشغفي بوصوله لأي القاريء بيناً ولو ضحيت في ذلك بشيء من البلاغة .

وقد تعودت من الأدب الإنجليزي الدخول على الموضوع من غير مقدمة ، وإيضاح المعنى من غير تكلف ، والتقريب -ما أمكن - بين ما يكتبه الكاتب وما يتكلمه المتكلم ، وعدم التقدير للمقال الأجوف الذي يرن كالطبل ثم لا شيء وراءه . ومن حبي للإيضاح أفضل اللفظ ولو عامياً على اللفظ ولو فصيحاً إذا وجدت العامي أوضح في الدلالة وأدق في التعبير . وأفضل الأسلوب السهل ولو لم يكن جزلاً إذا وجدت الأسلوب الرصين يُغمض المعنى أو يثير الاحتمالات ، ويدعو إلى التأويلات .

ومن اجل هذا تشكك في بعض الأدباء : هل يعدونني أديبا أو عالماً! ولم أقم لهذا الشك وزناً ، فخير لي أن اصدق مع نفسي ومع غرضي ومع ميلي من أن أزوق أسلوبي واكذب على نفسي ليجمع الناس على أدبي .

وقد اعتدت - عند كتابة مقال - أن ارسم الموضوع إجمالا لا تفصيلاً ، وإذا رسمته ابحث لنفسي أن أغيره وأبدله إذا جد جديد ، وكثير من المعاني التفصيلية تأتي وأنا اكتب لا وأنا أفكر قبل أن اكتب.

ثم طُلب إلي أن أذيع أحاديث في محطة الإذاعة فأذعت ، وكانت أحاديثي أشبه ما تكون بمقالاتي من حيث موضوعاتها وأسلوبها ، إلا أني تعمدت في هذه الأحاديث أن تكون أسهل موضوعاً وابسط تعبيراً ،ونزلت في ذلك غلى أن دنوت من العامية لتناسب جمهور السامعين ، ولم أر في ذلك باساً بل لقد هممت أحيانا أن أتحدث بالعامية لأني ارحم الأميين وأشباههم ألا يكون لهم غذاء عقلي يستمتعون به . واكره من الأدباء أرستقراطيتهم ، فلا يكتبون ألا للخاصة ولا يتفننون إلا لهم . وواجب الأدباء أن يوصلوا غذائهم إلى كل عقل ، ونتاجهم الفني إلى كل أذن ، فإذا لم يفعلوا فقد قصروا . وقد لفت نظري لهذا مرة أن حضر إلى مصر رجل كبير من مسلمي الصين ، فتقابلنا مراراً وتحدثنا كثيراً ، وفي مرة عرفته بالأستاذ توفيق الحكيم ، وقلت له انه أديب كبير ، فسألني : هل هو أديب شعبي أو أديب أرستقراطي ؟ فرن السؤال في رأٍسي ، فلما قلت له هو أديب أرستقراطي ، سألني : فمن من أدبائكم شعبي؟ فحرت جواباً ،وآلم نفسي إلا يكون لجمهور الشعب أديب ، وكثيراً ما شغلت ذهني مشكلة العلاقة بين اللغة الفصحة واللغة العامية وان صعوبة اللغة الفصحى - ولا سيما من ناحية الإعراب - تحول دون انتشارها في جمهور الشعب وخاصة إذا أردنا مكافحة الأمية وتعميم التعليم ، فنحن لو أردنا تعميم التعليم بين الجماهير باللغة الفصحى المعربة احتجنا إلى زمن طويل ، ولم نتمكن من إجادة ذلك كما لم نتمكن إلى اليوم من إجادة تعليم المثقفين إياها . فطلبة المدارس يقضون تسع سنين في التعليم الابتدائي والثانوي وأربع سنين في الجامعة ثم لا يحسن أكثرهم الكتابة والقراءة ، وكثيراً ما يلحنون في الإعراب. ومن اجل هذا اقترحت في بعض مقالات نشرتها وفي محاضرة في المجمع اللغوي أن نبحث عن وسيلة للتقريب ، واقترحت أن تكون لنا لغة شعبية ننقيها من حوافيش الكلمات (على حد تعبير ابن خلدون) ونلتزم في أواخر الكلمات الوقف من غير إعراب ، وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات ولغة الكتابة للجمهور ، ولا تكون اللغة الفصحى المعربة إلا لغة المقفين ثقافة عالية من طلبة الجامعة وأشباههم ، والا الذين يريدون أن يطلعوا على الأدب القديم ويستفيدوا منعه ، وبهذا تكسب اللغة العامية والفصحى معاً ، فاللغة الفصحى الآن لا تتغذى كثيرا من استعمال الكلمات اليومي ، وهذا الاستعمال اليومي في الشارع وفي البيوت وفي المعاملات من طبيعته أن يكسب اللغة حياة أكثر من حياتها بين الدفاتر ، وفي الأوساط الخاصة ، ويكسب اللغة العامية رقياً يقرب من الفصحى ، وهو يمكننا من نشر الثقافة والتعليم لجمهور الناس في سرعة ، ويمكننا من تقديم غذاء أدبي لقوم لا يزالون محرومين منه إلى اليوم ، وهو إجرام كبير كإجرام حبس البريء وتجويع الفقير ، ولكن هذا الاقتراح لقي معارضة شديدة بل وتجريحاً عنيفاً .



المرجع:-



[1] مصدر هذه المختارات هو كتاب حياتي من مجموعة " موسوعة احمد أمين

الأدبية" الذي قدم له الدكتور عبد العزيز العتيق . (بيروت: دار الكتاب العربي،

1969).


والسمووحه ع القصوور

مشاركتك تسعدنا ورأيك يهمنا